نشاطات ثقافية

حوارات

أصدارات ثقافية

مسرحية (الدرس) ليوجين يونسكو.... تداعيات لعالم مسكون بالرهبة والانكسار

مسرحية (الدرس) ليوجين يونسكو.... تداعيات لعالم مسكون بالرهبة والانكسار
يسعى الكاتب العالمي ( يوجين يونسكو ) في معظم نصوصه الى الاعتماد على مغامرة العقل في التخطي والتجاوز وبناء نص مبني على استدعاء الحلم والخيال في بث الرؤى والقيم المعرفية والجمالية ، وهو بذلك يتجاوز في نصه الواقع كونه  واقعا يلامس الأشياء ظاهريا ، الى واقع يخدش المفاهيم ويحفزها على إفراز صور وقيم تتخطى في معالجاتها حدود المادة وتربك معظم التصورات لأنها ...تنتقد وتشاكس .. وتختلف حتى مع ذاتها .تعتمد نصوص يونسكو على المفارقة اللغوية التي تتم عبرها تعرية الواقع في محاولة لجر المتلقي الى عملية مواجهة مباشرة مع القيم الفاسدة والمستهلكة التي أخذت تحاصره وتفرض عليه أنماطا خاصة من السلوك والتفاعل .. قد تكون نصوص يونسكو في عوالمها وتصوراتها تنتمي الى عالم وتيار ( اللامعقول ) ، ولكنها في معالجاتها وطروحاتها تنتقي نماذج متنوعة من هموم وتداعيات الإنسان المعاصر بأزماته وغربته الذاتية والاجتماعية .. لذا فان التعامل مع هكذا نصوص يحتاج الى وعي وتصور تام وخبرة مسرحية معززة بقراءات ومتابعات وممارسة تطبيقية كي لا يقع من يعتمد على هذه النصوص في فخ منتج النص الذي يتماهى كثيرا مع  لعبته بسبب خبرته وتجربته الطويلة في هذا المجال .
 ومن الأعمال المهمة التي أنتجها هذا الكاتب العظيم مسرحية ( الدرس ) التي ترجمت حينها الى اللغة العربية ولغات أخرى، ويعتمد نص هذه المسرحية كما نوهنا سابقا على سعي الكاتب لايجاد لغة جديدة من الحوار المبطن بين الشخصيات وهي تلتقي وتحتك في صراعها الذي قد لايحسم الا بمأساة عظيمة ومفاجأة تثير في المتلقي الشجون والرعب وتجعله غارقاً في دوامة لاتنتهي من الأسئلة التي تسخر وتشكك بمعنى وماهية وجوده وكينونته،  هذه الموضوعة المشحونة بالصدمة والعاطفة والقلق والترقب أثارت المخرج ( ياسر عبد الصاحب البراك ) وجعلته يفكر جديا بكيفية استثمار هذه المناخات والإشارات ليبثها  في منظومة متشابكة من الدلالات والرموز في صياغة عرض جمالي تتجلى فيه الذات الانسانية في أقسى وأمر لحظات تداعيها وتشتتها وهي تقف على حافة ملغومة بالحيرة والرهبة والانكسار.
 مسرحية (الدرس ) التي قدمتها جماعة الناصرية للتمثيل  جنوبي العراق تسحب في معظم مشاهدها وأحداثها المتلقي الى عالم مضبب تتداخل فيه وتتقاطع القيم والمفاهيم والسلوكيات حيث سعى المخرج وعبر آلية العرض وصياغتها ان يعقلن عن هذه التركة الثقيلة من اللامعقول وهذه العبثية التي ذهب ضحيتها الكثير وارتبطت بسياسات الأنظمة الاستبدادية وهي تمارس كل انواع الاقصاء والمصادرة والتشويه .
إن فرضية ( المسرح الاسقاطي ) التي وضع أسسها المخرج سابقاً وقدم عبرها العديد من الأعمال وجدت في هذا النص المناخ والفضاء والحاضنة الفكرية الملائمة لولادة قنوات اتصالية جديدة تمارس استفزازها لذاكرة المشاهد ومرجعيات التلقي وما توظيف تقنية المشهد السينمائي الذي جاء استحداثاً بنيوياً وجمالياً لبؤر مشهدية تتجاور مع البؤرة المركزية للعرض، الا لضرورة فنية سعت في مجمل ما سعت اليه الى تنويع الملفوظ ( السمعي – البصري ) وإحداث حالة من التماهي والتجاور بين الملفوظين، لتتسق الرؤية ويتحقق الشرط الجمالي للتجربة التي جاءت لتفضح وتدين الواقع المشوش والمضطرب، فالمخرج شاهد ومؤرخ مخلص للكارثة كونه كان يعيش تفاصيل ويوميات هذا الخراب الواسع الذي كان يحاصر اجساد وأرواح ابناء جيله والأجيال الاخرى .
مشاهد الرعب المتكررة وعلى مستوى الملفوظين تعكس تراكمات الحقبة السابقة بكل جرائمها وانتهاكاتها ، فلا يمكن لأي ضمير انساني أن يتجاهل بشاعة المقابر الجماعية التي كبلت جسد هذا الوطن الجريح من أقصاه الى أقصاه ، وستظل شاهداً على كارثية المشهد الدموي الذي يعيشه العراقيون .
اللقطة السينمائية مثلاً لم تكن خارجة على سياق البناء الدرامي للعمل ككل ، فشخصية (الأستاذ) الذي ظل مع طول العرض يمارس لعبته الاستفزازية وساديته الغريبة بما يمثله من(سلطة  معرفية)على شخصية التلميذة،  تمت بوعي مقصود، وان كان في بعض الأحيان يأتي بصورة منفلتة وغير منظمة ولكنها حالة تكررت لديه في السابق مراراً وان هذا التكرار المستمر جعلها تكتسب طابعاً عادياً ومألوفاً فالجريمة تتكرر كل يوم وتحت ذات الغطاء والتسويغ وبرقابة ورعاية شخصية  (الخادمة) التي شكلت معادلاً موضوعياً لشخصية الأستاذ ، اضافة الى كونها كانت تمارس دور سلطة (الأمومة) على الأستاذ ، لذا فالسلطة تتوزع هنا بين اقطاب الصراع الثلاثة ولكنها تركزت بصورة كبيرة بين ( الأستاذ والتلميذة ) حيث هيمن فيه موقف الأستاذ بسبب العامل السايكولوجي للشخصيات بصورة جلية وواضحة عند اشتداد التوتر ونموه ولاسيما في المواقف الحادة والمتذبذبة وهذا راجع الى التحليل الواعي والمنطقي لتواريخ وأبعاد هذه الشخصيات وزجها بصورة مقنعة ضمن سياق العرض فبرغم التحذير المتكرر من قبل الخادمة للأستاذ بضرورة أن لايبدأ بدرس الحساب لأنه ( يتعب ويشد الاعصاب ) الا اننا نرى إن الأستاذلا يلتزم بهذه النصيحة ويستمر في المماطلة ، وهنا تتصاعد وتيرة المواجهة في موقف قد حسمت نتائجه سابقاً بفعل التكرار الممل والمقيت ولم يعد بالامكان السيطرة عليه وهذا هو الذي يدخلنا في متاهة الثيمة المركزية التي يشتغل عليها النص فـ ( الحساب يؤدي الى فقه اللغة وفقه اللغة يؤدي الى الجريمة ) وهكذا وبهذه العبارات الغامضة والمفردات السرية يؤسس العرض المسرحي أجواءه ومناخاته الغريبة ، ويبدأ بشد المتلقي الى هذه المساحة من التأويل والاحالة حيث ان الإزاحة في فعل اللغة تؤدي الى الإزاحة في الفعل وهو يمارس هيمنته على الواقع ... وبتجريد متواصل وملح من قبل الأستاذ تبدأ اللعبة بأستجلاء أبعادها ومضامينها فالكلمات بالونات في الهواء قد تبقى محلقة بعيداً عن آذان الصم وقد تنفجر في لحظة ما تاركة وراءها تساؤلات جمة عن ذكريات ومواقف وادعاءات وتفاصيل علقت في مشجب الذاكرة وارتبطت بتاريخ من الخوف والحرمان والتوجس . اذن فالمخرج كان موفقاً في إحداث تداخل شامل بين النسيجيين (النص : بأعتباره لعباً في اللغة وإزاحة في المعنى) و(الرؤية الإخراجية: التي اعتمدت المواجهة والمكاشفة وتعرية المفاهيم والتصورات الملتبسة) ، بالاضافة الى ان التأثيث البصري لعناصر السينوغرافيا جاء متسقاً مع مجمل السياق ومتداخلا مع المضامين الأساسية التي أراد ان يكرسها النص على الرغم من ان هذا التأثيث قد افتقر الى بعض اللمسات التي كان بالإمكان أن تعزز من فعل الاخراج ومستواه وأبعاده الجمالية ولكن الاعتماد على أداء الممثلين وخبرتهم في التفاعل مع العناصر المتكاملة للعرض والتناغم مع معطيات الدور الذي جسده كل منهم ولاسيما المعطيات والخصائص النفسية قد أضفى متعة وسمات فنية أخرى أثارت وحفزت على إيجاد نسق وشبكة من الدلالات تجعل المتلقي يتفاعل مع بيئة ومناخ العرض تفاعلا مفاهيميا يتجاوز حدود الاستجابة الحسية  ويحلل الوقائع ليصل الى البعد والمغزى الحقيقي للحياة والتجربة  الانسانية بكل مفاصلها وعلاقاتها الشاذة والسوية ..
لقد كان (الدرس) الذي تلقته التلميذة من قبل الأستاذ درسا قاسيا عكس طبيعة الشخصية السادية التي يمتاز بها هذا الرجل ، والعقد المتراكمة التي ساهمت في بناء وتحديد علاقته بالناس والموجودات ، ولو عممنا هذا السلوك وانتقلنا به خارج التصورات والأطر الذاتية لوجدنا أنفسنا أمام عمل يستحق أن نباركه بجدارة  لشجاعته وجرأته في اثارة موضوع تتنازعه اشكاليات كثيرة كانت وما زالت تحفزنا على طرح أسئلتنا التي تصر وتدعو الى فضح النزعات والسياسات التي تبنتها مؤسسات القمع العالمي  لتقويض ومحو صورة وكينونة الوجود الانساني وأزاحته خارج حدود اللحظة والصيرورة التاريخية .
هذا العرض ثمرة من قطاف الجماعة التي عودتنا دائما على تبني الهم الانساني  عبر خطابها الذي أسس على مرتكزات  إبداعية عميقة  أدركت المغزى والمعنى الحقيقي  لفن المسرح  ودوره في الكشف عن الحقائق المغيبة وقدرته على التفاعل مع معطيات الحياة بكل أبعادها وتحولاتها المادية والروحية ..