نشاطات ثقافية

حوارات

أصدارات ثقافية

مسرحية :مطر صيف جـدلية الحضور ومستوى التأويــــل / حيدر عبد الله الشطري

مسرحية :مطر صيف جـدلية الحضور ومستوى التأويــــل / حيدر عبد الله الشطري
مجلة الخشبة / عن  :
المقدمة
من المعلوم ان الخطاب المسرحي الواعي المعبر تعبيرا حيا عن آمال وتطلعات الشعوب هو ذلك الخطاب الذي يتشكل وفق تطور العملية المسرحية ومنظوماتها التعبيرية والجمالية والفكرية, وكذلك عندما ترتبط هذه العملية الابداعية بأواصر علائقية وثيقة مع كل المتغيرات في المنظومة السياسية والاجتماعية المتحركة باتجاهات جديدة وفي احايين كثيرة .
وان عملية التوازن بينهما هي من يحدد ملامح هذا الخطاب الذي سيتأسس ملائما لأستيعاب واحتضان طروحات لا تذهب بعيدا عن الواقع.
وبما ان اغلب المدارس والاتجاهات المسرحية تعاقبت في تأسيسها على محاولة الخروج على الانماط والأطر القديمة واكتشاف فضاءات اوسع للتواصل مع المنجز الجمالي المتجدد.
وكذلك الحروب وفواجعها وتأثيراتها المباشرة على البنية الاجتماعية وتماسكها وما آل اليه حال الانسانية من ظلم واستعباد وخيبات.
اذن صار من الارجح على العملية المسرحية المواكبة للتطور ان تعمل على المتغيرات السياسية الاجتماعية.
كل ذلك يقودنا للحديث عن التجارب المسرحية العراقية ما بعد سنة 2003 ومحاولة تأسيس المشروع المسرحي المعبر عن هذه المرحلة المهمة .
وما يهمنا هنا تلك التجارب التي قام بها المخرج العراقي كاظم النصار والتي عمل جاهدا على التنظير لشكل وماهية هذا الخطاب بكل انواعه ,وما نتحدث عنه الان وبالخصوص تجربته الجديدة في تقديم مسرحية (مطر صيف ) للكاتب علي عبد النبي الزيدي والذي حاول ان يركز فيها على طروحاته السابقة ولكن بأسلوب مغاير هذه المرة عن الاساليب التي عمل عليها سابقا ..يقول كاظم النصار:
"تخلصت من الموضة الإخراجية والأسلوب الروتيني في الإخراج المسرحي وتعاملت بلغة جديدة تختلف عن كل أعمالي السابقة، فقد ركزت على الأداء وعلى النص وعلى الطريقة التعبيرية".
وبذلك عمل المخرج  على اسلوب واضح في التعبير عن رؤاه الجمالية واشتغل بأسلوب واقعي في رسم ملامح خطته الاخراجية واجتهد كثيرا في رسم الاطر السياسية لهذا النص ومحاولة اسقاطها على الواقع العراقي بقصدية واضحة من دون البحث عن خلق معنى جديدا مفترضا يتشكل في فضاء الخشبة يعزز او يضيف للمعنى المقترح في النص .
وهنا نطرح سؤالاً يتبادر الى الذهن ...هل هو هذا الشكل المسرحي الامثل والأنجع للخطاب الذي نبحث عنه ليكون معبرا تعبيرا صادقا عن المرحلة بعدما تكاثرت الاساليب والاتجاهات الغارقة بالتجريب والباذخة بالزخرف سيما ونحن بحاجة الى تغيير فكري تبعاً لتطور وتغير الخطاب السياسي في هذه المرحلة.
النــــص
ان لعنوان النص الموسوم (مطر صيف) دلالة رمزية تحيلنا الى الذاكرة الشعبية حيث البيت الشعري في القصيدة الغنائية التي كتبها الشاعر ناظم السماوي والذي يقول (حجيك مطر صيف ما بلل اليمشون) واستعار المؤلف هذا المعنى الذي يساهم في توضيح فكرته العامة (الثيمة ) في تأكيد جدلية الحضور والغياب ومن ثم التشكيك في تأكيد الحضور والخيبة الكبيرة من الانتظار المرير وهذا ما بني عليه النص الذي يؤكد على عدم وجود ملامح واضحة لذلك الحضور او ربما كونه غير حقيقي.
ويعتبر هذا النص نصا واقعيا ذا خصوصية وهوية تعبر عن هموم وأحزان وآلام وأحلام عراقية ,وهذا لا يعني انه لا يمكن ان يقدم بصبغة آخرى مختلفة على اعتبار تشابه واشتراك الهم الانساني في الكثير من الحالات.
يتحدث النص عن امرأة عراقية تفقد زوجها نتيجة للحروب وتعيش حالة انتظار مريرة في عودة الزوج الغائب الذي قد يأتي في لحظة ما او قد لا يأتي  وما يرافق ذلك الانتظار من انكسارات وخسارات وخيبات ساهمت في خلق شخصية المرأة العراقية المستلبة.
وبهذا لا يختلف هذا النص كثيرا عن نصوص مسرحية اعتمدت على طرح هذه الموضوعة التي يمكن الاشتغال عليها من زوايا كثيرة ومتعددة ,لكنه(أي نص مطر صيف) تميز بكونه جاء بصورة جديدة للمنتظر (بفتح الظاء )  وذلك من خلال تصوير الحضور بوصول القادم (الزوج ) ثلاث مرات وبحالات متشابهه وبذلك تقع المرأة بدوامة كبيرة لا تستطيع الخروج منها بسهولة سيما وإنها ازاء ثلاث حلول لا تعرف ايهما الحقيقي وأيهما المزيف (المستنسخ) وهذا ما يثير اكثر من سؤال باتجاه معرفة الحقيقي وتمييزه.
اجتهد الكاتب علي عبد النبي الزيدي في صياغة نصه وفق هذا المنوال والاعتماد على هذه اللعبة المسرحية التي كانت سببا رئيسياً في خصوصيته وتميزه والتي تضع المتلقي امام عدة تفسيرات وتأويلات من الممكن ان تقوده الى قراءات آخرى جديدة  .
كما انه نجح في خلق حالة من التوازن بين الطرح السياسي المضمر في النص المؤطر لظاهره الاجتماعي والذي شكل ارضا خصبة للاشتغال عليها وفق رؤى جمالية وفكرية متعددة وهذا ما أثار حماسة اكثر من مخرج لتقديم هذا النص في مرات عديدة وفي مناسبات مسرحية كثيرة.
نص العرض
من المعلوم ان اخضاع أي نص مسرحي لرؤىً جمالية وخلق عرضا فنيا متكاملا لا تأتي إلا من خلال فهم واسع لذلك النص والوقوف على افكار المؤلف واكتشاف المعنى الظاهري والباطني له ..بمعنى ان ذلك يتطلب جهداً تحليلياً شاملاً ومن ثم الشروع في استنطاقه عبر الوسائل الفنية المعروفة في المسرح وتأسيس الفرضيات الاخراجية لتقديمه على الخشبة عبر اعادة تشكيل بنى جديدة متخيلة تتوالد في فكر المخرج.وهكذا كانت قراءة نص مطر صيف من قبل المخرج كاظم النصار قراءة واعية متفحصة حاول فيها  ان يستجمع افكار النص وان يسورها وبعد ذلك قام بالحرث فيها كثيرا من اجل انتاج معانٍ آخرى اعتمدت على اقتراح رؤى جديدة حرص المخرج ان تكون مغايرة للرؤى التي تأسس عليها النص .
ومن خلال المتشكل من عناصر العرض المسرحي نستطيع ان نتوصل لتلك الفرضيات الاخراجية التي عمل عليها المخرج والذي حاول سحب النص باتجاه اشتغل عليه بمهارة ووعي وقصد واضح وذلك عبر التركيز على المدلولات السياسية دون المساس بالبناء الدرامي للنص الا في نهاية العرض عندما اقترح نهاية تتمثل بطرد الزوجة لأزواجها المستنسخين الثلاث ..بينما كانت النهاية في النص المكتوب والتي ارادها المؤلف ببقاء الصراع مشتعلا بينهم في اثبات كلاً منهم بحقيقته التي يدعيها وبقاء المرأة متفرجة لما يحدث امامها وهي في حيرة من امرها ..وربما كان ذلك بسبب تقديم هذه الشخصيات الثلاث من قبل ممثل واحد يظهر على المسرح ويستحيل عليه ان يقدم ذلك  .
كذلك ان نص المؤلف قد طرح امكانية ان يكون احد هذه الشخصيات حقيقيا وكان على المؤلف ان يفترض ذلك وإلا ماذا يكون الغرض من تقديم هذه الشخصيات جميعا بصرامة كونها شخصيات غير حقيقية مع علمنا بأنها هي التي طلبت استنساخ شخصية شبيهة بزوجها الغائب ثم كيف للمتلقي ان يتعاطف مع المرأة ان كانت تتبنى  حكما جاهزا عليهم جميعا ,ان  لا جدوى الحضور وهذا ما افترضه العرض جدلية تحتاج الى وقفة تأمل وتفحص وتفكير وتحتاج ايضا الى كثير من الاقناع حتى يستطيع المخرج ان يمررها الى المتلقي كفكرة ناضجة تستحق التبني والأيمان بها وتمتلك من مقومات  تقبلها.
ان فكرة كون هذه الشخصيات غير حقيقية جميعها لا تتفق مع الموجهات المنطقية لفكرة النص وذلك لان الحضور لم يكن قسريا.
اما اذا اردنا ان نتوافق مع العرض في طرحه هذا فعلينا اولاً ان نلغي فعل الاستدعاء الذي يبرر القبول من قبل المرأة وتنحصر المشكلة هنا في قضية الحضور القسري في جدلية الحضور والغياب وبالتالي يمكن الحكم على هذا الحضور بعدم حقيقته وان موقف المرأة هنا يتحدد برفضها للقادمين غير الحقيقيين وهنا لا يتحقق فعل الخيبة الذي ارتكزت عليه بالنتيجة وإنما هو متحقق فرضيا بمرارة وطول الانتظار الذي امتد الى ثلاثين سنة.
اما اذا اتفقنا مع نص الكاتب الذي يفترض ان احد اشكال هذا الحضور لم يكن قسريا وهنا تتحقق امكانية قبول القادم المستنسخ (طبق الاصل )ويكون احدهم ورفض المستنسخين الطارئين الآخرين وتسقط فرضية رفضهم جميعا كما شاهدنا في العرض ,وتحدد مشكلة المرأة في البحث والتمييز بينهما كما موجود في النص الذي يبني الفعل الثاني (الخيبة)  على الفعل الاول (الاستدعاء ) وهذا ما  يحقق فعلا الاسقاط السياسي على الواقع العراقي والذي عمل عليه المخرج دون الانتباه لهذه الاشكالية .وكما موضح  في المربع العلامي ادناه:





اعتمد المخرج في تأسيس المكان على الايحاء لبيت عراقي بكل تفاصيله وجسّد جغرافيته على الخشبة بأسلوب لا يذهب بعيداً عنه لكنه اجتهد في تفكيك هذه الجغرافية الساكنة وتصميم شكلاً هندسيا معمارياً لها وذلك بإزالة جميع الجدران والحواجز والابواب  حيث تتداخل الغرف مع الصالة مع المكونات الآخرى للبيت متخلصا بذلك من المعوقات التي قد تربك الممثلين على الخشبة وتؤثر سلبا على انسيابية حركتهم وتنقلهم داخل البيت ,لكنه بقي على تماس مع الخشبة في كل  تشكيلاته الديكورية ووحداتها ولم يعمل على فضاءها الثري والملهم بحيث لم تتحقق مزاوجة بين هذه الكتل والفراغ والتي كان يحتاجها العرض كثيرا.
وركز مخرج العمل وكما صرح به هو على الاجتهاد برسم حركات الممثلين باعتبارهم علامات دالة تنتج دوال اخرى يمكن ان تغني العرض وتخلصه من الترهل وهذا ما اراد ان يراهن عليه في تأكيد خصوصية طرحه.
عناصر العرض
استطاع ممثلا العرض المسرحي هناء محمد التي ادت دور الزوجة وفاضل عباس الذي ادى دور الزوج بحالاته الثلاث ان يتحملا مسؤولية كبيرة في تقديم هذا العرض الذي اعتمد على اداءهما كثيرا ومقدار تفوقهما  على الخشبة وإجادتهم  لتجسيد شخصيات العرض مع علمهما بأنهما الدالة الاكثر وضوحا من  مفردات العرض الاخرى وما يترتب على ذلك في تعويض الاقتصار المتعمد من قبل المخرج عليهما والتأسيس لتشكيلات حركية (ميزانسينية) تعبر عن الفعل المسرحي المتجسد وتسد النقص الحاصل في المفردات الاخرى وهذا ما لم يشتغل عليه المخرج كثيرا واكتفى ايضا بالمدلول الحركي لهما وتحفيز مشاعرهما باتجاه التركيز على ترجمة الفعل الداخلي بصورة تعتمد على الصدق بالمشاعر والتي تؤدي بذلك الى الفاعلية في تحقيق ديناميكية العرض وهذا ما ميز اداءهما الى درجة انهما اشتغلا على ادواتهما التعبيرية وتوظيفها بما يخدم  فكرة العرض وتجسيدها باجتهاد واضح وملموس واستطاعا ان يكونا بحق المحركين الرئيسين للعرض المسرحي دون الاعتماد كثيرا على ما سواهما .
وقد انسحبت الرؤية المتقشفة لمخرج العرض ايضا على التشكيل الديكوري للخشبة الذي تجسد اغلبه بإيقونات ساكنة استطاعت ان تعطي دلالاتها عبر استخداماتها الواعية وبما يقود الى مستويات تأويلية متعددة (المنضدة ذات المرايا,المنضدة ,الحاجز الخشبي المتحرك,لوحة الاجساد المعلقة,الوسائد) كل هذه المفردات كانت تعمل وكأنها نوابض متحركة تقفز باتجاهات تفيد فكرة العرض وتقوم بتكريسها وبإيقاع محسوب ومنتظم يتحرك مع جهد الممثل وتجسيداته المتعددة.
ولم تستطع الاضاءة وفي كثير من الاحيان ان تعمل وفق منظومة بصرية جمالية تساهم في دعم الفعل المسرحي بما يساهم في توضيح رسائل العرض الجمالية,وقد تحددت استخداماتها بما يضفي على الجو العام ظلاميته وسكونه وذلك بعدم استخدام الوان متعددة من شأنها ان تحقق ذلك,وهي بعض الحالات حتى لم تستطع ان تضيء وجه الممثل وتبيان تعابير وجهه وانفعالاته واللحاق بالتنقلات السريعة بحركته.
واستطاعت الموسيقى ان تكون اداة تعبيرية جميلة ساهمت كثيرا في استدراج ذهن المتلقي اولا ومن ثم عاطفته وذلك بالاعتماد على اغاني عراقية ترتبط ارتباطا وثيقا بالوعي والضمير والذائقة العراقية ,فالاستخدام الجميل لأغنية ناظم الغزالي في الاستهلال تحقق منه الفعل الاول وأغنية (زغيرة جنت) التي تعددت استخداماتها حققت الفعل الثاني وقد كان اختيارهما يحيل الى تأطير العرض بطرز عراقية ما من شأنه ان يساهم في ترسيخ افكار العرض ودلالاته.
ولم يركز العرض كثيرا على ازياء الممثلين وذلك لتحديد رؤية العرض التي لا تشترط الاشتغال وفق تخيلات مبتكرة والاكتفاء بما يمثل الصفات العامة للشخصية ويتمثل ذلك في ازياء الزوجة السوداء الداكنة او أزياء الازواج المستنسخين التي تعددت الوانها وأشكالها .
الخاتـــــمة
وهكذا نستطيع ان نقول ان عرض مسرحية (مطر صيف) كان عرضا  موفقا في اختبار  خياراته واقتراحاته وواضحا برسوخ رؤاه وأفكاره واستطاع فريق العمل ان يقودنا نحو افق الابتكار والحلم بعروض تحلق بأجنحة عراقية بجدارة وتغرد بروح عذبة شفيفة نعرفها جيدا .
لذلك كانت كل الرسائل التي بثها العرض هي خطابات تحاول ان تكون مطرا شتويا يبلل امنياتنا التي اصابها الجدب ..والتي اشترطت على نفسها الطرح الجمالي ألباهر انها رسائل الامل التي تحاول ان تضع حدا لزمن الخيبات الذي نعيشه والذي سوف لن نقف نتباكى على اعتابه وإنما سنسير مع رسالة المسرح الكبير في الثورة والتغيير والتي طالما قال كلمته المعبرة في رفض الظلم والاستعباد والرضوخ والاستكانة .