نشاطات ثقافية

حوارات

أصدارات ثقافية

المخرج كاظم النصار: مسرحية «مطر صيف» محاولة في المسرح السياسي الرمزي

المخرج كاظم النصار: مسرحية «مطر صيف» محاولة في المسرح السياسي الرمزي










ومطالبة بمشروع وطني حقيقي ينقذ البلاد من السياسات النفعية
كتب – عبد العليم البناء
عدسة – عمار علي عيسى
أخيرا عرضت على خشبة المسرح الوطني مسرحية»مطر صيف» التي كتبها الكاتب  المتألق علي عبد النبي الزيدي وأخرجها المخرج المبدع  كاظم النصار لحساب  الفرقة الوطنية للتمثيل وتقاسم بطولتها الفنانان هناء محمد وفاضل عباس  لتحرك الساكن المسرحي وتعمل على تفعيل المشهد المسرحي في موسمه الجديد الذي  ابتدأ ب»حريق» الراحل الكبيرقاسم محمد والمخرج محسن العزاوي ليتواصل عبر  أكثر من عمل مرورا ب»إحتفالية أيام الجنون والعسل» لشيخ المخرجين المسرحيين  الفنان القدير سامي عبد الحميد وغيرها من الاعمال التي تناغمت مع الهم  والوجع العراقي بأشكاله وأوجهه المختلفة  لتتو ج برائعة كاظم النصار «مطر  صيف».
المسرحية حاكت برمزية شاعرية وإسقاطات سياسية قصة عراقية بامتياز لامرأة  تنتظر زوجها الذي هاجر منذ 30 عاما، لكن المخرج وكاتب النص عملا على  التوظيف الرمزي سياسيا، لتكون الثيمة مركزة على أدانة المتصارعين على  السلطة، الذين تم الترميز لهم على أنهم أزواج غير حقيقيين مستنسخين.فالزوجة  الأم والوطن والبلاد، التي أتعبتها الحروب، عاد لها أزواج مستنسخون
المخرج كاظم النصار، قال مؤكدا :»من الضروري اقحام السياسة عبر الفن بجرأة،  وهذه المسرحية محاولة في المسرح السياسي الرمزي لأدانة الوضع القائم،  والمطالبة بمشروع وطني حقيقي ينقذ البلاد من السياسات النفعية المتشابهة  المستنسخة مثل الأزواج المستنسخين، الذين عادوا الى الحبيبة المنتظرة على  فراش الصبر حلم عودة المخلص او الزوج الحقيقي.(اغربوا عن وجهي أيها الغرباء  المستنسخون) بهذه الصرخة تشير بطلة المسرحية هناء محمد إلى رفض هذا الصراع  والتكالب على السلطة من أحزاب تتوحد في نواياها ولم تقدر وحشية وقسوة  انتظار التغيير طيلة الثلاثين عاما. تأثيرات الحروب واضحة على المسرحية  وكذلك تأثيرات الحصار والارهاب،فضلا عن تأثيرات المشهد السياسي، فنحاول ان  نقول في النهاية ان المشروع الوطني هو الضمانة الوحيدة لسلسلة مشاريع، ربما  الازواج هو سلسلة مشاريع، والمرأة هي الوطن.
في هذا العرض – كما أكد النصار – «حاولنا ان نقترب من السهل الممتنع،  حاولنا ان نقدم وجبة ترضي المتلقي العادي والمتلقي النخبوي وبهذا نريد ان  نعيد للمسرح ألقه وعافيته وان نشارك برأينا في المشهد السياسي وما يجري على  ارض بلدنا، هناك اشارات عن المشهد السياسي، ربما اختلفنا على بعض  الموضوعات ولكننا في النتيجة اتفقنا على المشروع الوطني وان الكتل وكل  الناس تنضوي تحت هذا المشروع لانه الخلاص الوحيد فيها».
وهنا تستعيد النجمة هناء محمد العائدة الى المسرح العراقي بعد غياب دام  سبعة عشر عاما منذ آخر مسرحية قدمتها على مسرح الرشيد للمخرج غانم حميد  بعنوان(المومياء) القها من جديد حين توهجت إبداعا مابعده إبداع ولهذا ليس  غريبا أن تعبر عن سعادتها بالجمهور الكبير، الذي صفق لها ولأدائها المميز  في عرض جرىء تميز بأبعاده الإنسانية. إذ وجد في المسرحية خطوة نحو إشراك  الفن في نقد السياسة لاسيما ان المسرحية كانت تحمل نكهة عراقية بإمتياز  بفكرتها الصادقة وتنقلاتها في حوارات تمت صياغتها بلغة فصيحة طعمت بمفردات  من اللهجة العراقية المحببة والاليفة مع الاعتماد على تقنيات الجسد والصوت  وشاعرية الحوار لإيصال رسالة المسرحية في أهمية تبني المشروع الوطني  الصادق.
المخرج كاظم النصار الذي عمل منذ مدة طويلة على إدامة وتفعيل مشروعه  المسرحي «حياة مابعد الحرب» وهو يرصد التغييرات التى حدثت على الفرد  العراقي إجتماعيا وسياسيا وأقتصاديا وفكريا وعرض همومه وآلامه ومعاناته  الطويلة من ويلات الحروب المدمرة يواصل عبر مسرحية «مطر صيف» مشروعه هذا إذ  تدورهذه المسرحية  حول الانتظار وعودة الغائب عن طريق تجسيد معاناة امرأة  تنتظر عودة زوجها الذي غيبته الحروب ، فتمر بظروف قاسية ومؤلمة تترك  بداخلها صدمة نفسية بسبب فقدان الزوج التي تفرز تفرز لديها تصورات افتراضية  لأستنساخ الرجال ليعود لها الزوج (المستنسخ) الذي يحاول ان يقنعها بأنه  الزوج الاصلي. لكنها تتفاجأ بطرق الباب مرة أخرى ومجيء زوج اخر.
وقد كان لطرقات الباب تأثيرها الكبير في مجرى أحداث المسرحية حيث كانت تثير  التساؤلات ، من القادم الزوج الغائب ام جنازته لذلك نجد المراة عندما يطرق  الباب تنفتح امامها ابواب الأمل بالخلاص لكن سرعان مايتلاشى الآمل والخلاص  وتلجأ الى تصورات افتراضية لاستنساخ الرجال ليعود لها الزوج (المستنسخ)  الذي يحاول ان يقنعها بأنه الزوج الاصلي وتبد أ المعاناة ولألم من جديد ومن  ثم يتلاشى كمطر الصيف ..
هي امرأة إذن غاب عنها زوجها ثلاثين عاماً وبقيت تنتظر قدومه كل هذه  السنوات وتحاكي وجوده، ولطول مدة غيابه، يصار إلى التعويض عنه وعن كل غائب،  بنسخة عن الأصل، هكذا تتمحور فكرة النص الذي وجد فيه النصار الفرصة لتقديم  تجربة جديدة تناقش الخيبة في التغيير بعد 2003، وسط هذه التهديدات الأمنية  والانقسامات السياسية وهذا الخراب الذي حصل، فحاول من خلال هذه المسرحية  أن يشير إلى هذه الخيبة ولكن من منظور اجتماعي.. مع التركيز على أن المرأة  كانت  باستمرار هي الضحية وهي الصامدة االتي استطاعت ان تمسك بالمشهد وهي  لحظة الصدق الوحيدة الباقية في العراق
لقد نجح النصار في جعل هناء محمد تقدم شخصية ستبقى في أذهان الجمهور لمدة  طويلة توصل فيه ماإنقطع من إبداعاتها السابقة مع أقرانها من عمالقة المسرح  العراقي  ،مستثمرا غربة هناء محمد الحقيقية خارج العراق ولهفتها لان تعمل  في هكذا نص وعلى المسرح وفي العراق. لقد استطاعت هناء محمد ان تقدم عبر  ادائها الجميل سيمفونية إبداعية متكاملة حين تميزت بهذا التنويع العالي في  الاداء فغنت ورقصت وبكت وفرحت وحزنت وتألمت وتوجعت ولكنها فوق هذا كله لم  تشعرنا بأنها تمثل بقدر ماكانت تنقل لنا حيوات نساء العراق المريرة بصدق  وعفوية وتلقائية تحسد عليها تماما.. كما نجح في استثمار غربة الفنان  المتألق فاضل عباس التي دامت لسنوات طويلة لاسيما هذا الوجع الذي شعر به  هذان الفنانان في غربتهما، حين نجد أن غيبة المرأة عن الرجل وغيبة الرجل عن  المرأة تتشابهان إلى حد ما مع ظروفهما ومع وجعهما وحسرتهما ومع هواجسهما  فحاولا أن يقدما  أقصى ما لديهما ..
وهذا مابرز جليا في تنافسهما الابداعي الذي تكامل في صالح العمل الذي شكل  دون مبالغة علامة مضافة في مسيرة المسرح العراقي عامة ومسيرة المخرج كاظم  النصار والفرقة الوطنية للتمثيل خاصة..ولعل من المفيد الاشارة الى أن هذه  المسرحية سبق أن قدمت في الناصرية من قبل فرقة بصرية وكانت تجربة جميلة لكن  النصار إستطاع أن يقدم شيئاً مختلفاً عما قدموه قراءة وجواً ووعياً  .

جريدة المواطن