نشاطات ثقافية

حوارات

أصدارات ثقافية

مسرحية :”خبز بلون الرماد” تأليف: فاتن حسين ناجي


الشخصيات:
الأم : امرأة في الخامسة والثلاثين من عمرها
البنت: فتاة في السادسة عشر من عمرها
الجدة: تجاوزت الستين من عمرها

المكان : باحة خلف المنزل مليئة بالأتربة، تتناثر على اطرافها .. صناديق قديمة ، قدور طبخ غيّر لونها السخام ، خرق اقمشة بالية ، تنور خبز من الطين ، سلة مهملات مليئة بأحذية ممزقة ، عشرات الكتب مبعثرة في كل زاوية .
- الأم تمسك بيدها ( مسحاة ) أو رفش صغيرة الحجم ، تحفر بصعوبة .
الام : لو انني احرقتها بكلتي يدي لما استطاعت هذه الارض الصلدة ان تجرح ما بين أصابعي.
الجدة : وستجدين الدخان المتصاعد من باحة المنزل وكأنه صوت ينادي الجميع ليجتمعوا فوق رؤوسنا وستغدو المصيبة فضيحة لا حدود لها . اكملي الحفر.
الام : بل سأكمل الدفن .. نعم اكمل دفن ثمن أيامي العجاف .. تمزقت يدي وانا احفر بهذه الارض الصلبة ، لم أعهدها بهذه الصلابة يوما .
الجدة : لو جاءنا خبر مداهمة الجيش للبيوت وتفتيشها في النهار لاستطعنا حرقها بسهولة أما الان فان تصاعد النيران ورائحة الحرق سيكون كجهاز انذار للجيش وللجيران .
الام : وستكون مكان جذب للطائرات التي تحوم فوق بيوتنا .. وكأنها غربان تنتظر رائحة الموت.
البنت: انا لا اقبل ان تحرقوا الكتب، انها آخر عبق لي من رائحة أبي، كيف لهذا العطر ان يغرق برائحة الدخان والرماد؟
الام : سيان بين رفضك وقبولك، بين رفضه وذلك الذي يتوسد القيود ..وبين قبوله سيان( تصرخ بالأم ) هيا احفري .. احفري .. احفري …
الجدة: لم يترك لنا من شيء له قيمة تذكر (تشير الى أكوام الكتب) سوى هذه المثقلة بالمشاكلات، كان مصدر جحيم عليك وعلى وأمك.
الام: ما يملك من نقود يسارع بها الى المكتبات لا يبقي منها ديناراً واحداً ( تترك الحفر وتنزوي بالقرب من الجدار) كنت اتوسل به ان اشتري أوانٍ جديدة بدل الأواني المكسورة التي نأكل بها، ولكنه كان يقول لي: هذه الكتب هي غذاء الروح والعقل. كنت أحمل حذائي الممزق أمام عينيه واقول له: لقد تمزق حذائي، أريد واحدا جديدا، ولكنه كان يقول لي: عندما استلم راتبي الشهري سوف اشتري لك زوجين من الاحذية وتتعاقب الشهور والرواتب وانا بذلك الحذاء الممزق، وهو يستنزف كل نقوده على هذه الكتب (تبدأ بالصراخ ورمي الكتب فوق سلال الاحذية الممزقة) لو انتعلت بسعرها حذاء لكان لها قيمة أكبر .
البنت: إن قيمتها كبيرة جداً يا أمي.
الام: اصمتي وإلا مزقت الكتب فوق رأسك، الا يكفيني الـ ١٧ عشر عاماً التي اضعتها من عمري واني انتظر السنابل تطرح ما تجود به ولا احصد سوى العجاف والشداد ؟
الجدة: ( للأم ) حسرتي عليك يا ابنتي، لم تجدي في هذه الحياة يوماً كريماً، فمن الجوع والفقر الى انتظار من هو في حفرة الموت اسيراً منذ ثماني سنوات، يعود أو قد لا يعود!
الام: (تأخذ كومة تراب بين يديها وتنثره على شعرها بهدوء) كنت جميلة وصغيرة عندما جاء سعيد جارنا ليطلب يدي من والدي، حينها فرحت كثيراً بأنني سأتزوج من سعيد المثقف الذي يسافر كل يوم الى بلاد اوربية، ويأتي معه بحقائب كبيرة …
البنت: وهل كنت تحبينه يا امي ؟
الام : نعم كان قلبي يخفق كلما شاهدته من خلف باب المنزل متوجها الى بيته ( بخجل ) حينها أختلق ألف حجة لكي أخرج والقي عليه التحية .
الجدة : ساعة السودة ساعة اللي عرفنه بيها سعيد لا شفنه خير ولا شفنه سعادة من الصبر للكبر
البنت: ( تنتفض ) ماذا تقصدين بالقبر يا جدتي ؟ لالا .. أبي لم يمت ، مازال اسيرا .
الجدة : وما الفرق بينه وبين الموتى ؟
البنت: الأمل يا جدتي عندما افتح اي كتاب من كتب والدي واقرأه( تفتح كتاب بالقرب منها ) استمر في القراءة والقراءة الى ان انهي الكتاب في نفس اليوم، واتوجه الى فراشي واحلم بأن ابي عانق الفجر وكلاهما طرق الباب، ويصيح : ها انا جئتك يا ابنتي يا قرة عين والدك. وانا اهرع حوله واقول له لقد انهيت قراءة سبعين كتابا الى الان من كتبك يا ابي، لم تذهب نقودك سداً ، لقد تغذى بها فكري، قرأتك يا أبي في كل حرف، وأبي يجيبني بصوت من بعيد ( صوت يأتي من الحفرة )
صوت الأب : كنت ادرك اني سأحمل حقيبتي خاوية في نهاية المطاف واجثو فوقها في حفرة الموت، كما هي هذه الحفرة، لكني من اخترت ان تكون خاوية لكي تمتلئ بها حقائب فكرك يا قرة عين والدك .
الام : ابنتي …ابنتي … اذهبي واحضري المزيد من الكتب، لقد امتلأت هذه الحفرة، وسوف نبدأ بحفر حفرة اخرى .
الجدة : مخبل سعيد ابن فطيمة كضه عمره مخبل ضيع فلوسه على هاي الكتب لاشبع ولاخله مرته وبنته تشبع .
البنت : الحمد لله يا جدتي لم نشعر بالجوع يوماً ، نحن افضل من غيرنا بكثير .
الجدة : لولا ان امك تعمل ليلاً ونهاراً لما استطعت ان تلبسي او تأكلي او تجلسي كأنك ( مثقفة ) وتقرئين الكتب .
البنت : الثقافة والعلم جزء لا يتجزأ من الطعام والشراب، كلاهما غذاء للروح والجسد .
الام : ( تضحك بسخرية ) ههههههه اعطني خبزاً اعطيك شعباً مثقفاً ، كان أبوك يردد هذه الكلمات دائما … هيا انهضي واجلبي الكتب بينما نردم هذه الحفرة ( تذهب البنت لكن ماهي إلا لحظات وترجع مسرعة )
البنت : ( بخوف كبير) أمي .. هناك اصوات كثيرة في الشارع .
الام : عسى ان لا يكون الجيش قد بدأ بالتفتيش، ادخلي يا ابنتي الى الحمام واغلقي الباب عليك ولا تخرجي ابدا .
البنت : لماذا يا امي ؟
الام : ( بصرخة كبيرة ) كفاك جدالاً ادخلي بسرعة قلت لك ، ولا تخرجي الا ان اقول لك اخرجي .
( تذهب الأم الى خارج المنزل، بينما تبقى الجدة تطمر بالحفرة وترفع يدها الى السماء والتراب يتساقط على الارض )
الجدة : يا الله استر علينه وعلى بنياتنه ماعدنه غير الستر يارب .
( ترجع الأم مسرعة خائفة )
الام : إنها مصيبة يا أمي لقد دخلوا الى المنطقة، ماذا نفعل؟ لم نطمر سوى القليل من الكتب ( تضرب وجهها بيدها ) أمي سوف يأخذوننا أنا وابنتي الى غياهب السجون ان ادركوا إننا نمتلك هذه الكتب .
الجدة : اين وصلوا بالتفتيش؟
الام : انهم في بيت جارتنا ام جميل، لم يبق سوى خمس منازل ويدخلون الى بيتنا .
الجدة : انقذنا يا رب
الام : يا رب لا تخذلني بعد ان خذلني الجميع .. يا رب لم يبق لنا سواك يا الله .
الجدة : سنحرقها.
الام : ماذا تقولين يا أمي؟
الجدة: نعم سنحرق الكتب دون ان يشعر احد فلا نستطع ان نحفر ونردم بهذه اللحظات القليلة .
الام : لكنهم سيشعرون من النيران المتصاعدة .
الجدة : جيبي المعجنة وحضري الطحين والخمرة والماي .
الام : ماذا تقولين؟ انا لا افهمك .
الجدة : سوف نخبز الخبز للجيش سمعنا انهم اقتربوا من منزلنا ونحن منزل كرم لا يمكن ان لا نكرم ضيوفنا .
الام : وهل سيكفي التنور لكل هذه الكتب ؟
الجدة : لن نضيف الحطب، ستكون هذه الكتب هي حطبا لتنورنا الذي سوف نخبز فيه الخبز.
الام : لكن ابنتي لن تقبل، ستحزن كثيرا .
الجدة : تحزن على الكتب افضل من ان تحزن على هتك سترها ( تصيح بوجه الام ) اذهبي ، هيا احضري ما امرتك به (تذهب الام لتحضر الطحين بينما تنهض الجدة وتزيح التراب من فوق ملابسها وتتجه الى التنور ، تزيح الاغراض من فوقه وتنحني )
الجدة : سترك ولطفك ، يا الله .. أعمِ عيونهم عن هذا البيت، يا الله ليس لنا سواك يحمينا .
( تدخل الام حاملة معها الطحين والماء ، الجدة تجلس على الارض تتربع والام تصب لها الماء فوق الطحين ، تبدأ الام بالبكاء )
الام : يمه راسي وجعني كومي شديه .
الجدة : ( ترد عليها باكية وتتطلع نحو ابنتها ) يمه شد الغرايب ما نفع بي .
الام : اخ يا يمه تعبت ( تحتضن امها وتجلس على الارض واضعة راسها بحضن امها ، الجدة تضع يدها على راس ابنتها )
الجدة : انهضي وقفي صامدة كما وقفت منذ تسعة اعوام ولا تجعلي الايام تكسر لك ظهرك .
الام : كسرتني يا امي ولم يعد لي القدرة على النهوض .
الجدة : اليوم وفي هذه اللحظات لابد لك بالوقوف والاسراع بالصمود ، اسرعي واسرجي التنور
الام : هل سنخبز الخبز دون ان يختمر العجين ؟
الجدة : كفانا اختمارا ، دم اولادنا اختمر وجثث اطفالنا اختمرت ولحى شيخونا خمرها الدم الا يجدر بخبزنا الا يختمر ؟
الام: نعم يا امي لا يجدر بخبزنا ان يختمر (تبدأ الام برمي الكتب، كتابا تلو الاخر في التنور والنار يتصاعد لهيبها) احترقي يا ايام شبابي وجمالي (النار تتصاعد، تستمر برمي الكتب وتصرخ بصوت عال) احترقي يامن أحرقت الحب والشوق (تتطاير الاوراق المحترقة على الارض تدوسها الام بقدميها وتصرخ) احترقي احترقي، تناثري يا ليالي الشوق والالم، تناثر يا رماد قلبي ولهيب سنوات عمري .
الجدةً: ( تواصل تحضير العجين وتزيح الرماد المتطاير بكلتي يديها عن الاناء الذي ستضع فيه العجين وتردد بصوت خافت )
الجدة : شلك على ابن الناس غير مروته .
الام: اهذه كتبك التي كنت تتلحفها ليلاً وانا اتلحف الخوف والعوز (تضحك بهستيرية عالية وتصرخ) تلحفوا النار كلاكما، تلحفوا الرماد، تعانقوا مع الاب في قعر هذا التنور .
الجدة: خذي هذه العجينة ضعيها في التنور واشعلي النار بمزيد من الكتب حتى تنضج لهم اول قطعة خبز ليأكلها الجنود ويقرأوا السلام .
الام:( تضع العجينة في التنور وتضع الكتاب تلو الاخر تلو الاخر ، تبتسم ) أأكلوا ..أأكلوا الخبز ها انا اعطيكم خبزاً لتعطونا شعباً مثقفاً … ها انا اعطيكم خبزاً اعطوني شعبكم المثقف .. اعطوني حبكم المثقف .. اعطوني ثوراتكم المثقفة …
الجدة: خذي هذه الثانية واكثري من الكتب .
الام : خبزاً بنكهة الثقافة ( تضع الخبز في التنور وتضحك وهي ترمي بالكتاب تلو الاخر في سجرات النار المتقدة من التنور ) اليس هذا الخبز مميز يا امي ، فهو مليء بالحروف، مليء بالكلمات، مليء بالفكر والجمل والحوارات؟ أليس هذا الخبز يا امي متعدد اللغات والحضارات كما كنت اسمع من سعيد وهو يردد هذا الكلمات ( تردد ضاحكة ) صدام الحضارات …
الجدة : خذي هذه الثالثة ولا تتواني في وضع المزيد من الكتب .
الام : شمّي يا امي ، شمّي هذه الرائحة المنبعثة من التنور ، ما اجملها من رائحة ، للتو ادركت ان للثقافة رائحة .
الجدة : اسرعي فقد بدأت خيوط الفجر تظهر .
الام : لم تبق سوى كتب قليلة .
الجدة : حمدا لله لقد زال العبء من على اكتافنا .
الام : عبء السنين العجاف والشداد .
(تدخل البنت وتسير بخطى ثقيلة وتتوجه نحو الحفرة وتضع راسها فوقها وتنام )
الام : لا تتفوهي باي كلمة ان كنت تبحثين عن الكتب، مازال هناك البعض منها في هذه الحفرة .
البنت : لماذا أحرقتي الكتب يا امي، ليس للكتاب ذنب ان وقع في ايادٍ لا تقدر قيمته .
( طرقات قوية على الباب )
الام : ( للبنت ) انهضي بسرعة وادخلي الى الحمام ، اوصدي الباب من خلفك ، انهضي
(البنت لا تنهض )
الام : انهضي (تسحبها من شعرها بقوة ) انهضي …
( تنفض الجدة الطحين من فوق ثيابها وتخاطب الام )
الجدة : اذهبي وافتحي الباب انا سأهتم بابنتك .
( الام تتجه الى خارج الباحة لحظات .. ثم تعود )
الجدة : ماذا ؟ هل دخلوا الى المنزل ؟
الام : كلا .
الجدة اين ذهبوا ؟
الام: رحلوا عندما اخبرهم جارنا انه لا رجال في هذا المنزل .
( تنتفض البنت من الارض وتتجه نحو التنور وتبدا بإزاحة الخبز وتصرخ )
البنت : احترقت أنت يا كتب، وهم لم يأتوا ، تحولت الى رماد .. وهم قد ولوا بعيدا (تأخذ الخبز بين يديها وتقدمه الى أمها )
البنت : خذي يا أمي .. خذي يا جدتي كلوا الخبز لتعطونا شعبا ملؤه الخوف والخيبة.( تصرخ البنت بصوت عال ) كلوا الخبز ، فهو بنكهة الحب ، بنكهة غياب أبي . هذه كتب أبي اثمرت خبزا .. فماذا ستثمرون أنتم … ؟ كلوا كلوا كلوا …
( تبدا البنت بتوزيع الخبز بشكل جنوني في كل زوايا الباحة على أشخاص وهميين، بعدها تجلس قرب الحفرة التي دفنت بها الكتب ، تضع قطعة خبز كبيرة فوق الحفرة )

( انتهت )

فاتن حسين ناجي (العراق – بابل 2014)
faten222357@yahoo.com