نشاطات ثقافية

حوارات

أصدارات ثقافية

صابر حجازي يحاور القاص والروائي المصري محمد عبدالله الهادي

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏2‏ شخصان‏، ‏‏نص‏‏‏
استكمالا لما قمت به من قبل من حوارات ولقاءات أدبية  مع نخبة من أدباءالوطن العربي، يسعدني أن يكون الحوارمع القاص والروائي المصري محمد عبدالله الهادي  هو رقم -19 - من  الجزء الثاني من مجموع اللقاءات مع أدباء ومفكري الوطن العربي في مختلف  المجالات الأدبية والفكرية التي حظيت باسهامات لهؤلاء المبدعين

وفي ما يلي نص الحوار.

 س 1:- كيف تقدم نفسك للقارئ ؟
محمد عبد الله الهادي .. قاص وروائي مصري
·    عضو اتحاد الكتَّاب المصري.
·    عضو نادي القصة المصري.
·    عضو نقابة المعلمين.
·    عضو نقابة الزراعيين.
·    مؤسس وعضو ورئيس نادي أدب فاقوس ـ قصر ثقافة فاقوس ( محافظة الشرقية ) لعدة دورات .
·    مؤسس ورئيس تحرير مجلة (عبقر ) الأدبية ـ مجلة غير دورية ـ الصادرة عن نادي أدب فاقوس ـ قصر ثقافة فاقوس ـ  وكتاب ( عبقر ) للأعمال الأدبية.
·    رئيس النادي الأدبي المركزي لمحافظة الشرقية 2004  ـ 2006 م.
·    عضو مؤسس لسلسلة " خيول أدبية " بالتعاون بين ثقافة الشرقية ومحافظة الشرقية وأول رئيس لتحريرها عام 2006م والتي أصدرت عددا كبيرا من المطبوعات الأدبية لأدباء محافظة الشرقية بتمويل من صندوق المحافظة.
·    عضو مجلس إدارة فرع اتحاد الكتاب للشرقية والقناة وسيناء عامي 2007 ـ 2008 م، ورئيس مجلس إدارة الفرع الدورة السابقة عامي 2009 ـ 2010 م ودورة عامي 2011 ـ 2012م.
·    أمين عام مؤتمر " التراث بين القطيعة والتواصل" عام 2004م لإقليم شرق الدلتا الثقافي والذي عقد بالزقازيق برئاسة د. عبد الحكيم راضي.
·    أمين عام مؤتمر " القرية حاضنة المقاومة" بفرع اتحاد الكتاب الشرقية والقناة وسيناء عام 2010م.
·    رئيس مؤتمر " الثورة من عرابي إلي 25 يناير " بفرع اتحاد الكتاب الشرقية والقناة وسيناء عام 2011م
·    رئيس مؤتمر " الثورة .. والأدب المحرض " بفرع اتحاد الكتاب الشرقية والقناة وسيناء عام 2012م.
·    المشاركة بالعديد من الأبحاث والشهادات في عشرات المؤتمرات الأدبية داخل مصر ومؤتمر الدكتور عبد السلام العجيلي للرواية بمدينة الرقة ـ سوريا  2009 م.


 
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏نص‏‏
 

س 2:- أنتاجك الادبي : نبذة عنة ؟
مجموعات قصصية:
1 ـ مجموعة "عيون الدهشة والحيرة" ـ قصص ـ سلسلة إشراقات أدبية ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب  ـ 1989 م .
2 ـ مجموعة " الحكاية وما فيها " ـ قصص ـ أصوات أدبية ـ الهيئة العامة لقصور الثقافة ـ 1995 م .
3 ـ مجموعة "حلقة ذكر " ـ قصص ـ سلسلة رؤى شرقية ـ ثقافة الشرقية 2002 م .
4 ـ مجموعة " امرأة وألف وجه " ـ قصص ـ سلسلة خيول أدبية ـ قصور الثقافة 2006 م .
5 ـ مجموعة " حلقة ذكر علي شرف الفقيدة " ـ سلسلة كتابات جديدة ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب 2010م .
6 ـ مجموعة " لها ألف وجه ووجه " ـ قصص ـ دار رواية للنشر ـ الأعمال الفائزة بمسابقة لها أون لاين ـ  لندن ـ 2011م .
7 ـ مجموعة قصصية " الخيمة والعاصفة" ـ قصص ـ تجليات أدبية ـ الهيئة العامة لقصور الثقافة 2013م.
8 ـ مجموعة "خيول النهر" ـ قصص ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ 2014 م.
9 ـ مجموعة "أصابع العبد" ـ قصص ـ الكتاب الفضي الصادر عن نادي القصة بالاشتراك مع الهيئة العامة لقصور الثقافة 2015م.

روايات:
1 ـ رواية "أنشودة الأيام الآتية" ـ رواية ـ هيئة الكتاب ـ الأعمال الفائزة بجائزة د. سعاد     الصباح في الرواية ـ ( طبعة أولى 1990 م ). مكتـــــــبة الأسرة ( طبعة ثانية 1996 م ).
2 ـ " الأحلام تتداعى وضباب الفجر" ـ روايتان قصيرتان ـ المجلس الأعلى للثقافة ـ 1997 م
3 ـ رواية " عصا أبنوس ذات مقبض ذهبي " ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب بالتعاون مع اتحاد الكتاب ـ سلسلة ( كتاب الاتحاد ) 2003 م .
4 ـ روايات " ليالي الرقص في الجزيرة "
( الرواية الأولى " العبد " ) ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب 2007 م .
(الرواية الثانية "البحّاري") ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ تحت الطبع.
(الرواية الثالثة "ليلة مصرع المجنس") لم تطبع بعد.


أطفال:
1 ـ كتاب " الشغالة الذكيَّة " ـ قصص أطفال ـ سلسلة قطر الندى ـ قصور الثقافة ـ 2006 م
2 ـ كتاب " الشاطر حسن وست الحسن والجمال " ـ رواية للأطفال ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب 2010م.

مسرح:
1 ـ مسرحية " الأخوَان " ـ مسرحية فصل واحد ـ كتاب مشترك ـ إقليم شرق الدلتا الثقافي بمصرـ 1992 م
2 ـ عندما تبيض الأفاعي ـ مسرحية فصل واحد ـ كتاب الأعمال الفائزة في مسابقة الإدارة العامة للمسرح ـ 2013 م.
3 ـ مسرحية " عريس لقطة" لمحمد تيمورـ أكملها محمد الهادي ـ نشرت بجريدة مسرحنا .
 

لا يتوفر نص بديل تلقائي.
 
لا يتوفر نص بديل تلقائي.
 
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏2‏ شخصان‏، ‏‏نص‏‏‏


س3:- متي بدات في الكتابة الادبيه ؟ وهل تذكر شئ من محاولاتك الاولي؟ وهل وقف احد مشجعا لك علي الاستمرار ؟ ومن هم الذين تاثرت بهم في البدايات ؟
في مدرسة الصوفية الابتدائية كانت هناك حصَّة في الجدول اسمها "قصص"، وفي ركن الفصل مكتبة صغيرة تحايل معلمنا الأستاذ فتحي علي صنعها من أقفاص الجريد المبطن بالورق المقوي، وكان بها عدد كبير من قصص الأطفال المترجمة، قصص كانت في الأصل إنجليزية أو فرنسية أو صينية أو يابانية، بالإضافة لقصص عربية تراثية، أو قصص كامل كيلاني أشهر كاتب أطفال في ذاك الوقت.. نأخذ القصص من المكتبة لدورنا ونقرأها، وفي الحصة التالية يقف كل منا ليحكي للآخرين القصة بأسلوبه الشفهي.. وكنت أكثرهم قراءةً وحكيًا.. حتى أنني أحيانًا كنت أحتكر الحصة بأكملها لصالحي. وجعلني هذا الحب للقراءة متفوقًا في "الإنشاء والتعبير"، فكنت أحصل علي أعلى الدرجات، بل وأقرأ ما كتبت من مواضيع مميزة علي مسامع الفصل علي سبيل التشجيع والتقريظ، وأذكر أن بعض مدرسيَّ في المراحل التالية كانوا يحتفظون بكراساتي هذه في نهاية العام لديهم علي سبيل الاعتزاز والتذكر.
إنهم معلمو الزمن الج كنت أشترى بقروش مصروفي القليلة بعض المجلات الدورية، أو الكتب التي يتيسر وجودها مع بائع الصحف، الذي كان يجيء كل صباح مع قطار الدلتا البلجيكي القديم القادم من كفر صقر متجهًا إلي المنصورة، والذي اختفى منذ سنوات، وما زلت أحتفظ ببعض كتب هذه المرحلة في طبعتها الأولى ككتاب الولد الشقي لمحمود السعدني، كما كنت أقرأ الصحف التي كان يأتي بها أبي إذا ما سافر إلي فاقوس بين الحين والآخر، كذلك أبتاع كتبًا من العم إبراهيم، وهو بائع خردوات من قرية بعيدة، وكان يأتي لقريتنا يوم السوق من كل أسبوع، ويفرش بضاعته القليلة أرضًا، حاجات تحتاجها نسوة القرية ويقبلن عليها، وعلي أحد أركان فرشته كان يبيع كتبًا قديمة لا أدري من أين يجلبها، بالإضافة لكتيبات أغاني أشهر مطربي العصر أم كلثوم وفريد وعبد الوهاب وعبد الحليم وغيرهم، وكتب قصص ألف ليلة وليلة كمعروف الإسكافي وعلاء الدين أبي الشامات وغيرها في طباعة فقيرة من حي الأزهر.. كانت الكتب بضاعة غريبة في سوق قروي لمجتمع تسوده الأمية آنذاك.. وكنت واحدًا من زبائنه القلائل.
قبل أن أودع المرحلة الابتدائية بتفوق، كنت قد قرأت بعض القصص القصيرة التي وقعت في يدي مصادفة من كتب أو مجلات، وما زال ذاكرتي تحتفظ بقصة لتوفيق الحكيم لا أذكر اسمها الآن، وأخرى لمحمود البدوي اسمها "النار" ، ذكرتني باسمها ابنته ليلى البدوي التي تعيد نشر إبداعه علي شبكة النت الآن، أخذتني القصتان بقوَّة لعالم هذا الفن الجميل، فحاولت كتابة أول قصة في حياتي عن مشاعر فتاة فقدت أمها ليلة زواج أبيها بأخرى، ومع العام الأول للمرحلة الإعدادية (المدرستان متجاورتان بالصوفية) انطفأ نجم عبد الناصر الذي كنا نغني له في طابور الصباح مع هزيمة 1967م، وانتابني حزن شديد، وفقدت قريتي بعض الشهداء في هذه الحرب، ورسمتُ كثيرًا من اللوحات التي تدعو للصمود والكفاح، فقد كنت أعشق الرسم وأحصل علي أدواته مجانًا من المدرسة، وكنت أعلقها علي الحوائط،؛ جندي يطأ علم إسرائيل أو صاروخ يخترق مؤخرة موشي ديان، وأحرر مجلات حائط أنشر فيها بعض ما كتبت من قصص بتشجيع من ناظر المدرسة الأستاذ "فريد" رحمه الله، وأذكر أنني رُشحت لرحلة للمتفوقين علي مستوى المحافظة لمدن طنطا والمحلة الكبرى وكفر الدوار لزيارة المعالم الصناعية والسياحية بها، وكتبت عن الرحلة موضوعًا طويلا يقارب حجم كراسة، آثرت أن أكتبه بأسلوب أدبي كما يكتب الرحالة عن رحلاتهم، وألحقت به رسوم لأشهر الأماكن التي زرتها بقلمي الفحم، ودفعني الأستاذ فريد دفعًا ـ عندما أحسَّ بخجلي ـ أن أقرأها علي زملائي في الطابور. كما أذكر أنني حاولت في تلك الفترة تأليف كتاب عن قريتي جزيرة مطاوع، وكتبت فيه ما يقرب من الأربعين صفحة ثم توقفت.
* * *
كان للراديو دورًا كبيرًا في حياتي قبل ظهور التليفزيون، كان لدينا راديو كبير الحجم يعمل ببطارية كبيرة، لقد كنت مستمعًا عظيمًا، أقضي بجواره الساعات الطوال، وأحتضنه بالليل وأقربه من أذني إذا ما نام الجميع وأزعجهم صوته.. أحلق بخيالي مع الأغاني والمسلسلات والبرامج والأخبار والموسيقى، وأعترف صادقًا أن للراديو تأثير كبير في تكوين ثقافتي المبكــــــــرة.
ظلت القراءة ومحاولات الكتابة أمرين متلازمين معي طوال سني الدراسة، أتردد علي المكتبات وأستعير الكتب أو أقتنيها، ومن أشهر المكتبات التي استفدت منها في الفترة الجامعية مكتبة دار الكتب القديمة التي كانت قائمة آنذاك علي كورنيش نيل الزقازيق (باع أحد المحافظين موقعها المتميز لجهة استثمارية وعُبئت كنوزها في كراتين ونُقلت لمواقع مهملة، سرقت ونهبت قبل أن يبادر أحد أساتذة الطب من روادها بالتبرع بإقامة موقع بديل لها).
وكنت أرى يوسف إدريس عندما يأتي لتفقد أرضه الزراعية قرب قريتي، ولكم تمنيت أن أقول له أنني أقرأ قصصه الجميلة وأنني أحاول الكتابة، لكني لم أجرؤ، إلي أن باع الأرض في واحدة من أزماته فلم أعد أراه.

 س 4 :- كيف كانت بدايتك الأولى في النشر؟

في وقت متزامن نشرت مجلة الهلال قبيل منتصف ثمانينيات القرن الماضي قصة لي بباب يشرف عليه الناقد الفني كمال النجمي، ونشرت فريدة النقاش قصة بأدب ونقد تحت باب كتابات جديدة، ونشر محسن الخياط لي قصة أخرى بجريدة الجمهورية، ثم توالى النشر في الصحف والمجلات والدوريات الأدبية.
وصرت أتردد علي التجمعات والمنتديات الأدبية وأتعرف علي الأدباء بها، ترددت علي هيئة الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية بالإسكندرية، جمعية الخدمات الأدبية بالقاهرة، رابطة الأدباء بكفر الزيات، نادي القصة بالإسكندرية، نادي القصة بالقاهرة، ندوة المساء.. وغيرها من الأماكن الأخرى.. ولقد ظل هناك رجلان وقفا بجانبي دون أن تكون بيني وبينهم صلة إلاَّ طابع البريد هما: محسن الخياط ومحمد جبريل.
نشرتُ مجموعتي الأولى "عيون الدهشة والحيرة" عام 1989م عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بتشجيع من عبد العال الحمامصي ومحمود العزب رحمهما الله بعد أن فشلت محاولتي مع دار نشر خاصة ذات اتجاه ديني، تأكدت أن اهتمامها بالأدب ليس إلاَّ ذرًا للتراب في العيون، في مقابل تمرير أعمال سياسية دينية ضد الحقبة الناصرية التي عانوا منها، ذلك بعد أن ترددت عليهم حوالي العام، ينتقون ويستبعدون بحجة أن هذه أو تلك لا تتناسب مع سياسة الدار.
 

 س 5 :- العالم العربي يعيش مرحلة صعبة، ما هو دور الكاتب المبدع أو المثقف في هذه المرحلة ؟
لقد ترجع دور الكاتب كثيرا في مجتمع تسوده الأمية وتسيطر علي أفكاره كثير من الرؤى الغيبية للجماعات الدينية المتطرفة، ناهيك عن الحروب والاقتتال.. نحن المنطقة الوحيدة في العالم التي تشتعل بها الحروب.. علي الكاتب أن يظل قابضا علي جمر الكتابة ان يكون صادقا ألا يبيع قلمه في سوق النخاسة أن يتمسك بمبادئه ولو أمام قارئ واحد.


هل لنا في نموذج من كتاباتك :-

الهــارب
ــــــــــ
(قال: "كم تظن ثمن صندوق لمسح الأحذية يا سيدي؟".
فنظرت إليه في دهشة..
قال: "ليتني أستطيع الحصول علي صندوق.. لكي أربح نقوداً أُطعم بها أمي وإخوتي الصغار كل يوم".
ما أشقى هذا المسكين الصغير، الذي يجـد لزاماً عليه أن يناضل في سبيل الخبز منذ نعومة أظافره، هو ذا مثلٌ حي لقسوة المجتمع.
كيف يستطيع مخلوق صغير برئ كهذا أن يحتفظ بطهارة قلبه، وسط المتاعب التي تحيط بـه؟ يكفي أن يُغريه بعض الأشرار بالسرقة مرَّة فيكسب جيش الإجرام جندياً جديداً، وماذا سيكون مصيره إذا بلغ مبلغ الرجال؟ وأين يجد المرشد الذي يهديه إلي سواء السبيل ويجنبه طريق الأشواك؟ قدمتُ إليه دولاراً، هو نصف ثروتي، وقلتُ له:
"خــذْ هذا واشتر صندوقاً لمسح الأحذية أيها الصغير".
فبرقتْ أسارير وجهه، وأفهمته أين يستطيع ابتياع الصندوق، ثم مددتُ يدي إليه مودعاً فتناولها، ورفعها إلي شفتيه. اذهب يا ابن الجنوب.. اذهب أيها المسكين.. فإنك لست مسئولاً عمَّا نزل بي من طغيان مواطنيك.. ولْيَـقِكَ هذا الدولار شـر السقوط في الهاوية)
إلي هنا، انتهتْ كلمات السجين الأمريكي "روبرت بيرنز"، وسكت عن الكلام المباح، وأنت تطوي آخر صفحة في قصة فراره من السجن الرهيب، والقطار بعـد أن هدأت سرعته يدخل بك في جوف محطة سكك حديد مصر، فلا تدري كيف انطوت المسافة مسرعةً بك من الزقازيق إلي هنا؟ وترجمة "عمر عبد العزيز أمين" قد أوقعتك في شرك الرواية وسحرها، وأنت تمضي مبهوراً ومأخوذاً تحت السقف الحديدي العالي بين جموع الناس، تتشبثْ بأصابع كف أبيك القوية، وشبح "بيرنز" يحوم حولك، منذ أن ابتعت "الهارب" من "روايات الجيب" بخمسة صاغ مصرية، قبل قيام القطار، من بائع رصيف المحطة هناك، يخامرك الآن إحساس هائل بالتهلل، بعد أن اقتحم "بيرنز" حصونك، وتردد علي خلدك كالطيف، وأنت أيها الولد الصغير لم تبلغ الحلم بعـد، ما زلت تتعثر في جلبابك الريفي، لم تتخلق لك حبتا "ترمس" في صدرك، ولا نبتتْ لك شعرة واحدة في مثلث العانة، لم يخشوشن كفك الطري بعـد، وصوتك؛ الذي تردد به ما حفظته ذاكرتك من جزء "عمَّ" و"تبارك" و "قد سمع" وأسماء الله الحسنى ونسب الرسول صلى الله عليه وسلم من جهة أبيه "عبد الله"، ومن جهة أمه "آمنة" ، والقنوت والتحيات الطيبات، وأبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت.. ؛ صوتك هذا أيها الولد، من طبقة طفولية ما زال، وإن جاهدت أن تبلغ مبلغ الرجال، ومكافأة لك، لأنك صرت ملماً بكل هذه المعارف، سوف تزور مصر المحروسة، أم الدنيا، وحرَّاسها من أولياء الله الصالحين، وتضع نذرك بيدك في صندوق النذور، وما إن يجئك خبر المكافأة اليقين، حتى ينبت لك جناحان تحلق بهما فرحاً، وتجوب مواطن أقرانك في كتَّاب الشيخ "إسماعيل" صباحاً، أو ساحة اللعب وسط القرية ليلاً، واعداً إيَّاهم بأنك سوف تحكي لهم ما تشوفه عيناك هناك، وأنك سوف تملأ جيب "السيَّالة" الكبير بالكراملة والنعناع والملبن والبسطة لهم، وسوف يؤكـدون عليك غير مصدقين:
"وعـد الحـر دين".
وأنت تؤكد لهم أنك بلا ريب حُرٌ لا عبـد، وإن كنت ما زلت تقتفي أثـر أبيك، مجتازاً المحطـة لميدان "رمسـيس" الواسع، الملآن بالحركة والضجيج، وتأخذك عيناك، حيثما أشارتْ إصبع أبيـك عنـدما قال:
"واحد من جـدودك يا حسونة يا بني اللِّي سكنوا صان الحجـر".
تتأمل الرجل الحجري، هائل الكـبر، يحمل علي رأسه جرَّة كبيرة الحجم، كجرِّة أمك التي تجلب بها الماء من شق الترعة، تسأل عنها والماء يتدفق نافـراً من أصابع قـدميه..
ويضحك أبوك قـائلاً:
"تاج المـلك رمسيس بقى جـرَّة يا حسونة؟!" .
وهاأنت تمضي بعـدما تناولت "ساندويتش" الطعمية، وشربت "الليمونادة" من بائع الميدان، تتساءل بينك وبين نفسك: هل تتشابه مصر المحروسة بالمدن التي جابها "بيـرنز"؟.. "شتانوجا" و "لويزفيل" و "جورجيا" و "أتلانتا"؟.. وهل الناس هنا  كالناس هناك؟.. وعلي رصيف محطة الأتوبيس، يسأل أبوك عن العربة التي تتجه للسيدة زينب والحسين، وفي فترة الانتظار تتحـرر يدك من وطأة قبضة أبيك الماسكة بكفِّك..
ما زالت كفُّك الأخرى الحرَّة قابضة علي "بيـرنز" الهارب من المدن الكبيرة.. من النجاحات الكبرى التي أخذته للأعالي ، لكنها ـ المدن الوحشية ـ لم تنس له كبـوته الأولى ، ما إن تضحك له الدنيا وتمنحه لحظة أمان، حتى تطارده بقيود سجَّانيها، فيفر لمدن أخرى ليصنع نجاحاً آخر لا يشفع له..
تتذكـر أن "الدنيا غدَّارة"؛ تقولها المدَّاحات بألف صوت وهـن يغنين عن الدنيا وتقلب أحوالها، وهن يتسولن بضرب الدف علي أبواب الدور، وأمك الواقفة بحلق الباب  تستمع لهن تمصمص شفتيها وتسيل دموعها، وهي تغرف لهن الحبوب بغطـاء الحلَّة وتجـزل لهـن العطاء..
ويجذبك أبوك من شرودك للأتوبيس الذي وصل، وتزاحمتْ أبوابه صعـوداً ونزولاً، وأنت تجاهـد في الصعود خلفه، لا تدري وأنت غير المدرب علي ركوب أتوبيسات مصر، كيف اصطدمت، بسذاجة طفل ريفي، بالمرأة التي ترتدي فستاناً ملوناً وقصيراً، يكشف عن ساقيها العاريتين، فتعجن للحظة في ليـونة جسدها المتوتر بالزحام، وقبـل أن تجتـاز درجتي الباب تنتبه لفعلـتك، وتلمح شعرها المكشوف والملموم والناعم جـداً وقـد تهوَّش قليلاً، ووجهها الأبيض المستدير ينضح بالطلاء والغضب، ويتعثر لسانك في فمك قبـل أن يلهج بالاعتـذار: "معلهـش يا ست" .
وتأخذك الدهشة الحزينة من كلماتها القاسية، التي تتقافـز متوثبة من بين شفتيها المطليتين بالأحمر الدموي ، تتساقط علي أم رأسك الحليـقة كالحجارة الصوَّان :
".. مش تفتـح عينـيك يا بهـيم؟.."
وكانت تشمخ بأنفها، وتشملـكما، أنت وأباك، بنظرة استعـلاء..
وما زالت حجارتها تتسـاقط:
".. الأشكال دي جاية منين؟.. ".
كأنكما هبطتما عليها من كوكب مجهول، فآثرت الصمت ولم ترد عليها، عملاً بحكمة سيدك  "إسماعيل":
"يدخل الجنَّة علي حـرير مفروش.. من سمع شتمته بودنه وعمل أطـروش".
ولكن أباك الذي لم يجـد بـداً من ذلك ، قال لها بصوت مسموع:
"عيـب يا هـانم".
وكان يلوح بجريدته التي يحملها في يـده، ليعلن علي رؤوس الأشهاد أنه ليس بجاهل، رغم كونه فلاَّحاً، وهو يرد علي سؤالها الاستنكاري:
"سـؤالك ما لوش معنى يا ست.. إحنا برضه أولاد مصر.. إحنا في عهـد النور.. عهـد الثـورة يا هـانم" 
وبالطبع تدخـل الناس بالكـلم الطـيِّب:
"صلُّوا ع النبي يا جماعة.. دقـايق وكل حي يروح لحـاله".
وانتبهـتَ أنت علي الصوت المحايـد، العمـيق، البـاتر، الذي أنهى الخـلاف قبـل استفحـاله:
"خـلاص يا هـانم".
ولأبيـك:
"وأنت حقـَّك علينا يا حـاج".
وتسللت عيناك علي البزة "الكاكي" نحو مصدر الصوت، للشرطي الضخم بوجهه الصارم، وشاربه الأصهب، ويـده الممدودة نحوك تربت علي كتفك، فشعرت بالامتنان له، ووددت لو قبلت تلك اليـد الحانية كما تعلمت أن تقبل يـد كل كبـير، وأخذتك الدهشة المفاجئة ليـده الأخرى المدلاة جانبه، يبرز من معصمها القـيد الحديدي، الذي يأسر معصماً آخر لرجل آخر.. أين هو؟.. وعيناك تبحثان عنه لتجده قـد انحطَّ أرضاً، يقرفص في الطرقة التي تفصل المقاعـد، فتوارى مثلك بين غابة السيقان المتزاحمة والمتراصة، رأيته شاباً، يرتدي قميصاً مهملاً وبنطلوناً، وشعره الفحمي يتهدل علي جانب جبهته، وعندما التقتْ عيناه اللتان بدتا بريئتين تماماً من كل إثم، بعينيك الطفوليتين اللتين تبرقان تساؤلاً وفضولاً، وتتلصصان عليه، افترتْ شفتاه لك عن ابتسامة حزينة، ما لبثتْ أن استحالتْ لدهشة، وهـو يمعن البصر في عنوان كتابك "الهارب" الذي في يدك، وتتسع ابتسـامته لك بنوع من التواطؤ، واعتراك خجل ريفي، ارتبكت قليـلاً، وشعور بالذنب يتملـكك إزاء أسـره، كأنه "بيرنز" وقـد قفـز من الكتاب أمامك، ويتوقف الأتوبيس فجأة، وتهتز الكتلة البشرية مترنحة برد الفعل، متأهبة للنزول، ويـد أبيك تسحبك بسرعة، ولا تعرف كيف ولماذا امتدت يـدك إليه بالكتاب؟! فيتناوله منك بعينين لامعتين بالدمع، وكنت تشق الزحام محاذراً خلف أبيك حتى لا تصطدم بأحـد، والصوت الذي لحق بك من الخلف بالتأكـيد كان صوت "بـيرنز" يؤكـد عليك:
"خُـد بـــــــالك".


س 6:- أنت عضو في العديد من المنتديات الثقافية والادبية ولك موقع خاص باسمك  - فهل استطاعت الشبكة العنكبوتية تقديم الانتشار والتواصل المستهذف بما تاسست من اجلة وصنع علاقة بين الاديب والمتلقي ؟
الشبكة العنكبوتية مثلما لها من مميزات لها كثير من السلبيات، التواصل بين الأديب والمتلقي أسهل وأسرع، لكنه في كثير من الأحيان يكون كاذبا وخادعا وغير حقيقيا، أعمال غير ناضجة وفي طور البدايات يمكن أن تجمع ألاف اللايكات والمداخلات المجاملة وتصف كاتبها بالأديب الكبير، كما تكونت روابط وتجمعات واتحادات تصف نفسها بالدولية علي الشبكة وتمنح لكل من هب ودب في عالم الأدب العضوية وشهادات التقدير.. ألخ
عموما الشبكة العنكبوتية تبدو كسوق كبير يجد الصالح والطالح له مكانا فيه.. المشكلة صعوبة الفرز في هذا الزحام العنكبوتي.

وهذا هو رابط صفحتي علي  الفيس
https://www.facebook.com/mosaleeh


 س 7:- هل الحصول علي جوائز ادبية من المسابقات الادبية المنتشرة باجهزة الاعلام المختلفة في صنع اديب مميز يشار الية بالبنان وطرح اسمة ككاتب مرموق ؟ وما رايك في حقيقة المسابقات الادبية في العالم العربي ؟
أنا ممن لعبت الجوائز دورا مهما في مسيرتهم في بداية حياتي، وأعترف أنها كانت عاملا مشجعا لي، إذا أردت أن تحكم علي جائزة أرجع للهيئة المانحة لها ومدى مصداقيتها ثم لنوعية المحكمين بها ومدى تمكنهم ونزاهتهم.. هناك جوائز محترمة كثيرة تصب بالإيجاب في نهر الأدب.. كالبوكر العربية وكتارا والشيخ زايد والعويس وساويرس والهيئة العربية للمسرح وجوائز أدب الأطفال وغيرها.. في المقابل هناك العشرات من الجوائز المجهولة لأسماء مجهولة وتمنح بطريقة مريبة ولا تعرف حتى عدد المشتركين فيها، ونوعيتهم ومدى نضج ما يكتبونه .. ألخ..
أعرف أديبا متواضعا يتجمل بأن يضع في ال cv الخاص به أنه حصل علي أكثر من 30 جائزة .. يعني حصل علي أضعاف أضعاف ما حصل عليها نجيب محفوظ  ويوسف إدريس من جوائز.. طبعا أمر مضحك..
لقد حكمت في العام الماضي في مسابقتين للقصة القصيرة : مسابقة نادي القصة بالقاهرة.. ومسابقة ربيع مفتاح الأديبة.. والحمد لله أنها كانت ناجحة في اختيار أصوات شابة تستحق التشجيع، وهذا أمر أسعدني.

س 8:- ما هي مشاكل الكاتب العربي؟ وما هي العاراقيل التي تواجهه في نشر كتاباتة والتواصل مع القارئ  ؟ 
أمية القراءة.. لا أحد يقرأ .. إلا قلة قليلة.. هذا هو الفرق بيننا وبين الغرب والأمم المتحضرة.. القراءة عادة تنمو مع الإنسان في الصغر.. ونحن لدينا نظم تعليمية فاشلة تنفر من القراءة.. المكتبات في المدارس للزينة.. الشاب يدفع ألف جنيه في موبايل ولا يدفع خمسة جنيهات في كتاب.. ويل لأمة لا تقرأ.. كاتبة أفريقية هاجرت لأمريكا دفعت لها دار النشر مليون دولار نظير أول رواية لها.. هذا لأن هناك قارئ أقبل علي الرواية وقرأها.. في مصر الناس تعرف نجيب محفوظ من أفلام السينما والتليفزيون وليس من كتبه.. ولهذا لم يكن غريبا أن يقف عضو مجلس شعب منذ شهر ليصف أدب محفوظ بالأباحية.. عموما هذا شأن كل الشعوب المتخلفة.. في ظل انحسار الثقافة وتراجعها ستجد شبابا فارغا ومتطرفا وضائعا ولا يعرف حتى معنى الوطن.. الشاب الذي فجر نفسه مؤخرا في الكنيسة ستجد أنه لم يقرأ كتابا أدبيا ولا تاريخيا ولا ثقافيا بأي صفة.. ترك عقله لفكر الأرهاب ليعانق الموت ويقتل أبرياء
النشر حلقات متصلة لابد من وجود قارئ.. وإلا لمن ستنشر كتبك؟ .. طلبة المدارس لم يعودوا حتى يقرأون الكتب المدرسية.. يعتمدون علي الدروس الخصوصية.. إنها كارثة.

س 9:- ما نوع الدعم الذي يحتاجه المبدع؟
شاب قرأ في جريدة فصلا من روايتي الأخيرة .. البحّاري.. (تحت الطبع) كان منشورا بأخبار الأدب وبالطبع علي النت علي موقع الجريدة وأعجبه ما كتبت.. بحث عن صفحتي وتوصل لرقم هاتفي.. واتصل بي عند منتصف الليل ليبدي لي إعجابه.. اعتقد أن هذا ما يريده الكاتب .. أن يجد علي الطرف الآخر قارئ يتواصل معه.. هناك كثير من المواهب الأدبية تضيع وتختفي في زحمة الحياة تحت وطأة الحاجة ولقمة العيش أو صعوبة العمل أو انعدام التشجيع.. علي الدولة ومؤسسات المجتمع المدني تشجيع المواهب الأدبية ورعايتها ووضعها علي الطريق الصحيح بكافة طرق الرعاية.. قديما .. عندما كان يظهر شاعر في قبيلة كانوا يحتفلون ويحتفون به ويتباهون به علي القبائل الأخرى.. مصر ليست دولة غنية اقتصاديا.. لكنها غنية بأدبائها وفنانيها ومثقفيها الذين يشكلون قوتها الناعمة.

س 10 :- أنت مسئول اتحاد الكتاب ( فرع الشرقية ) ما هي رؤيتك لدور الفروع  في خدمة حركة الأدب و ما هو تقييمك للتجربة؟
فكرة الفروع فكرة جيدة.. الغرض منها نقل الأنشطة المركزية من الفرع الأم بالقاهرة إلي الفروع بالمحافظات حيث يقيم الأعضاء.
أنا تركت رئاسة فرع الاتحاد بالشرقية والقناة وسيناء بعد أن ساءت الأحوال في الفرع الرئيسي بالزمالك وانعكست علي الفروع.. لقد ترأست الفرع دورتين لأربع سنوات.. كنا نقدم أسبوعيا نشاطا حقيقيا في المحافظات التابعة للفرع.. بالإضافة لمؤتمر سنوى لليوم الواحد مع تكريم الرموز الأدبية والأنشطة الاجتماعية وتقديم ورعاية شباب الأدباء ألخ
وطلب مني في الانتخابات الأخيرة أن أعود للترشح لكني رفضت اكتفاء بما قدمته من دور.
كانت تجربة مفيدة وناجحة لولا الظروف التي استجدت.. واتمنى مع الجمعية العمومية القادمة للاتحاد في مارس 2017 أن تصحح الأوضاع وأن تعود للفروع دورها وأهميتها.

هل لنا من نموذج من كتاباتك :- 

شجـيرات حـب صغـيرة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عندما رأوها لأول مرَّة بصحبة أمِّها ، في طريقها للسوق ، انبهروا بجمالها الفاتن ، الذي جذبهم جذباً ، فتركوا لعب الكرة بالجرن ، وتتبعوا خطواتها كالمنومين ، وهي تتنقل مع أمِّها من بائع لآخر ، يتطلعون لمحاسنها ، ويرصدون حركاتها العفوية وهي تتكلم أو تبتسم أو تنتقي الثمار لأمِّها ، كـانوا مندهشين حقـاً ، بكـل هـذا الجمال الباهـر الذي يمشي علي الأرض ..
وعندما تنتهي طقوس الشراء ، وتصحبها أمُّها في طريق العـودة لـ " العزبة " البعيـدة ، كانوا يتتبعون أيضاً خطواتها حتى تعـبر كوبري الميزانية ، وتركب العربة عائدةً لدارها  ..
آنئذ يتحررون من سحرها ويفيقون ، ويعـودون للجرن الواسع ، لاستكمال لعبهم الذي انقطع بمجيئها ، وهم يتساءلون بحـيرة :
هـل تنجب البطون في " العِـزب " الفقـيرة مثل هذا الجمال الصارخ ؟! ..
لم تكن قريتهم الكبيرة ، التي يمكنها أن تبتلع عشرات " العزب " الصغيرة ، والتي يُعقـد فيها السوق الرئيسي كل أسبوع ، قـادرةً علي إنجاب بنـتاً جميلة مثل هـذه البنـت .
في الأسبوع التالي ، عندما جاءتْ بصحبة أمِّها للسوق ، عرفوا اسمها ، وراحـوا يرددونه علي ألسنتهم :
ـ " كـوثر .. كـوثر .. كـوثر " .
وعندما ذهبت لشـراء  " الدردرمة " ، تجمعوا سريعاً حول عربة " أبو زكي " المزركشة ، واشترى كل واحـد منهم قمعاً بقرش ، ولم يرفعوا الأقماع لشفاههم ، ولم يستحلبوا طعمها الحلـو علي ألسنتهم ، إلاَّ عندما لمستْ بشفتيها الدقيقتين ولسانها قمعها المثلج ..
ينتهي التسوق ، وتعـود مع أمِّها ، وينفض السوق ، ويبقى طيفها الرائع هناك ، في كـل الأماكن التي مرَّتْ بها ، يداعب مخيلتهم ، ويوقـظ ـ لأسبوع كامل ـ الأحلام الملونة للمستقبل في رءوسهم الصغـيرة ..
متى يكـبرون ويصـيرون رجـالاً ؟ ..
متى يصبحون قـادرين علي الزواج ، وإقـامة أسـر ، لتكون " كـوثر " هي الزوجة ؟ ..
حتى تعـود إليهم ، في السوق التـالي ، فتـنةً تمضي علي الأرض بـين جموع الناس .
تنـاول ولـدٌ طاقيـته الصوفيـة ، كـوَّر طرفهـا ، دعـك بهـا جبهته بقسوة ، رسم عليهـا شجـيرة للحب ، وأعلـن صراحةً :
ـ " أنـا أحـب كـوثر " .
لكن ولـداً آخـر فعـل نفـس الشيء ، وأعلـن أنّـه هـو الذي يحبها ، فأيقـظ مشـاعر الغـيرة والمنافسة مع الأول ..
وعندما جاء السوق التالي ، كانوا جميعهم قـد رسموا شجيرات الحب علي جباههم .
وانتفتْ المشاعر السلبية من قلوبهم الصغيرة ، بعـد أن أحبُّوها حبَّاً جماعياً ، وصاروا ينتظرون مقدمها الأسبوعي مع كل سـوق علي أحر من الجمـر ..
تأتي فيأتون خلفها ، تمضي مـع أمها ، فيلاحظ كل ناس السوق ـ الباعة والمشترون والنصابون واللصوص والشحَّاذون والمتسكعون .. ـ شجيرات الحب الصغيرة التي تلتف حـول " كـوثر " ، والتي تظللها بالمشاعر البريئة من وهـج الشمس ، فيبتسمون بمودَّة ، ويرددون :
ـ " سبحان الخـالق المصـور " .
وكان البائعـون يتغاضون عـن الأسعار الحقيقية لبضائعهم دون فصال مع الأم ، بل ويهدون البنت الجميلة بأريحية بعض ما يبيعون ، ويتفاءلون بالرزق الوفير إذا ما زارتْ أو مرَّت بمكان تجارتهم ، وكانوا ـ بتسامح حقيقي ـ يبتسمون ويتغامزون ويعلقون بكلمات التورية المقتضبة ، حول مشهد الحب الجماعي المتنقل بين جنبات السوق ، ويخمنون بفرح : لأي هذه الشجيرات الصغـيرة سوف تأوي الجميـلة في قـوادم الأعـوام ؟ ..
من هـو صاحب القسمة والنصيب ؟ ..
ويقلبون أكفـهم في الهواء وهم يجيبون بتساؤل :
ـ " من يعرف ؟ .. الله وحـده يعلـم " ..
ومرَّت الأيـام سريعـة ..
ولم يسـأل نـاس السـوق :
لماذا كبرتْ " كـوثر " ، وخرطها " خرَّاط البنات " بسرعة ؟ ، ولماذا تزوجت صغيرة من رجل آخر تماماً ، كما تتزوج كل الفلاَّحات في عزبتها البعيـدة ؟ ..
ولماذا يكـبر الأولاد ببـطء ؟ ، ولماذا تستوي رجولتهم علي نـار هـادئة ؟ ،  ولماذا عنـدما يكبرون يتفرقون ؟ ..
لم يسأل ناس السوق عن شيء من هـذا أو ذاك ، لأنهم كانوا يتابعـون " كـوثر " أخـرى ، من عـزبة بعيـدة وفقـيرة ، وشجيرات حُـب صغـيرة تنمو حولـها ، وتحوطها ، وتتنـقل خلفـها بين جنبـات السـوق .
ــــــــــــــ

س 11 :- ما لا شك فيه، أن الأماكن الأولى للكاتب تنقش في أحاسيسه مذاقًا خاصًّا، فماذا نقشت مدينتك (فاقوس) في ذاتك وفي قصصك؟
المكان الأول قريتي جزيرة مطاوع الموجودة في معظم أعمالي ليست كمكان تجري عليه الأحداث فقط .. لكن كفضاء روائي مشارك وصانع للأحداث، نفس الشيء بالنسبة لفاقوس الموجودة في أعمال كثيرة لي روائية وقصصية.. مثلا رواية الأحلام تتداعى تجري أحداثها في فاقوس كذلك كثير من القصص القصيرة.. المكان أحد العناصر الفنية الهامة في القصة والرواية.

 س 12 :- كيف تقيّم الحركة الادبية  الشرقاوية (نسبة الي محافظة الشرقية )على الساحة الادبية بمصر ؟
الشرقية محافظة كبيرة  (أكثر من 6 مليون نسمة) أي بحجم دولة مجاورة، لهذا هي زاخرة بالمبدعين، في الشعر العامي والفصيح والقصة والرواية والمسرح وكتاب الطفل والنقد، وهي مثل أي حركة أدبية فيها كافة المستويات، لكن بصفة عامة أدباء الشرقية متواجدون في الساحة ويقدمون أعمالا جيدة تستحق الاحترام والتقدير.
 س 13 :- ما الكلمة التي تحب توجيهها لقرائك من خلال هذا الحوار؟
أقول لقرائي الذين لا أعرفهم تحديدا.. كل سنة وأنتم طيبين بمناسبة العام الجديد.. ويا رب أن أكون عند حسن ظنكم.. وانتظروا روايتي الجديدة الصادرة عن هيئة الكتاب بالمعرض في يناير رواية (البحاري)
 س 14 :- ما كلمتك الأخيرة في الحوار؟
هي الشكر لك أيها الصديق العزيز صابر حجازي علي هذا الحوار
ثم خالص أمنياتي مع العام الجديد لمصر وشعبها.. أن تعود مصر لريادتها وتحقق أماني شعبها في دولة مدنية حديثة وأنه يختفي الإرهاب من علي أرضها المسالمة وأن تتبوأ المكانة التي تستحقها بأمر الواقع والتاريخ بين العالم المتحضر.. وأن نشهد شيئا من هذا قبل رحيلنا عن الحياة
والحمد لله رب العالمين علي كل الأحوال.

————
*الكاتب والشاعر والقاص المصري صابر حجازي
http://ar-ar.facebook.com/SaberHegazi
– ينشر إنتاجه منذ عام 1983 في العديد من الجرائد والمجلاّت والمواقع العربيّة
- اذيعت قصائدة ولقاءتة في شبكة الاذاعة المصرية
- نشرت اعماله في معظم الدوريات الادبية في العالم العربي
– ترجمت بعض قصائده الي الانجليزية والفرنسية
– حصل علي العديد من الجوائز والاوسمه في الشعر والكتابة الادبية
–عمل العديد من اللقاءات وألاحاديث الصحفية ونشرت في الصحف والمواقع والمنتديات المتخصصة