الأكثر قراءة
عدد زوار المجلة
الثقافة هي لغة شعوب العالم المتقدمة فيجب علينا أن نحرص على ثقافة أولادنا وتعليمهم جيدا
نصوص مسرحيــة
نشاطات ثقافيــة
أصدارات ثقافية
المقالات
روافد أدبية
حوارات
فنون تشكيلية
موقع المجلة على الفيسبوك
نص مسرحي للأطفال(مكر الثعالب)تأليف محمد صخي العتابي
المنظر:
(عتمة خضراء تغمر المكان.. ليست ظلامًا كاملا، بل ضوء مكسور كأن الغابة نفسها تتنفس.. اصوات أوراق، حفيف بعيد، شيء يشبه الهمس.. لا موسيقى، الصمت هو الإيقاع.. تظهر الغابة لا كمنظر طبيعي، بل ككيان حي.. جذوع مائلة، ظلال متشابكة، طرق غير مكتملة..تتحرك الثعالب أولًا، لا من عمق الخشبة، بل من الحواف، كأنها كانت موجودة)
المشهد الاول:
الثعلب الأول: (وهو يتحسس الأرض بأنفه، لا يرفع رأسه)
الغابة اليوم لا تنظر إلينا...
وهذا أخطر من أن تراقبنا.
الثعلب الثاني: (بصوت منخفض، كمن يخشى أن تسمعه الأشجار)
حين لا تنظر السلطة، فهي إما عمياء... أو تعد أنفاسنا.
الثعلب الثالث: (يضحك ضحكة
قصيرة)الأسد لا يعد الأنفاس،
الأسد ينام طويلًا،
ونحن نحلم قصيرًا...
لكن أحلامنا أسرع.
(صمت. تمر طيور في الخلفية، لا ترى، فقط ظلال أجنحة)
الثعلب الاول: الغابة منشغلة بنفسها.
الأرانب تعد الجذور.
الخراف تحصي خسائرها.
الطيور تكتب شكاواها في الهواء.
ولا أحد يسأل: من يغير شكل الطريق؟
الثعلب الثاني: (بقلق ظاهر) لكن الطريق يؤدي دائمًا إلى العرش... والعرش له مخالب.
الثعلب الثالث: العرش يا أخي... ليس كرسيًا.. العرش عادة.
والعادة تكسر حين يصدق الجميع الكذبة ذاتها.
(تقترب الثعالب من بعضها، دائرة غير مكتملة)
الثعلب الاول: نحن لا نسرق السلطة.. نزرعها في صدورهم، ثم ننتظرها تكبر.
الثعلب الثاني: (يتردد) وماذا لو نبتت شوكًا؟
الثعلب الاول: كل شجرة شوك... إلا في عيون من زرعها.
(تتحرك الإضاءة قليلًا.. تظهر الأرانب في جانب الخشبة، منشغلة بجمع طعام)
(الأرانب. حركة سريعة. قلق. نظرات متبادلة)
الأرنب الاول: الطعام ينقص.. لا أقول سرقة... لكن الرائحة تغيرت.
الأرنب الثاني: (ينظر حوله) الغابة لم تعد كما كانت.. حتى التراب صار يشك بنا.
الأرنب الثالث: سمعت أن الخراف توسع حقولها... تأكل أكثر مما تحتاج.
(همهمة..خوف يتحول إلى شك.. الخراف في الجهة المقابلة.. حركة أبطأ نبرة دفاعية)
الخروف الأول: نحن لا نسرق أحدًا.. نحن فقط نحمي أنفسنا.
الخروف الثاني: (بمرارة) حين يجوع الجميع، يصبح الشبع تهمة.
الخروف الثالث: الأسد صامت. وصمته يفتح أفواهًا كثيرة.
(الغابة في اضطراب.. الأصوات تتداخل..تمر الثعالب في الخلفية، لا تتدخل، تراقب فقط...الطيور تحلق)
الطائر: (من الأعلى) النظام يتشقق.. الهواء نفسه لم يعد محايدًا.
الأرنب الأول: (يصرخ باتجاه الخراف) أعيدوا ما أخذتموه.
الخروف الاول: (يندفع) لم نأخذ شيئًا.. أنتم تبحثون عن عدو لأنكم خائفون.
(تتعالى الأصوات.. لا أحد يسمع أحدًا..الثعالب وحدها، في بقعة ظل)
الثعلب الثاني: (بصوت خافت) الأمر يتسارع أكثر مما توقعت.
الثعلب الاول: الفتنة لا تحتاج وقتًا، تحتاج شرارة... والجميع يحمل الوقود.
الثعلب الثالث: (ينظر إلى الفوضى) انظر... إنهم يكتبون بيان سقوطهم بأصواتهم.
الثعلب الثاني: ومتى نظهر؟
الثعلب الاول: حين ينسون السؤال: من بدأ؟(ضحكة خافتة، تنطفئ سريعًا)
(الأسد يظهر للمرة الأولى، لا في المركز، بل من عمق الغابة. حضوره ثقيل صامت)
الأسد: (بعد صمت طويل) من يصرخ... يخفي شيئًا.
(الجميع يصمت فجأة)
الأرنب: مولاي... نحن نظلم.
الخروف: مولاي... نتهم.
الأسد: (ينظر إلى الجميع، ثم إلى الظلال حيث الثعالب) الغابة لا تنهار فجأة... هي تدفع ببطء.
(إظلام)
المشهد الثاني:
(ضوء مضطرب. الغابة لم تعد هادئة، بل مشحونة، كأن الهواء نفسه يتجادل.. الحيوانات موزعة في تجمعات صغيرة،
كل مجموعة تراقب الأخرى بحذر)
الأرنب الأول: لم نعد ننام مطمئنين، حتى الحلم صار مشتبهاً به، وكل ظل نراه نعتقد أنه جاء ليسرق تعبنا.
الخروف الأول: وهل تظنون أننا بخير؟ نحن نعيش داخل اتهام دائم، نمشي وكأن عيون الغابة كلها معلقة في ظهورنا.
الطائر: من الأعلى أرى الصورة أوضح، لا أحد منكم بريء تماماً، لكن لا أحد منكم مذنب وحده أيضاً، هناك شيء
ما يتحرك بينكم ويغذي هذا الجنون(همهمة.. يتصاعد التوتر)
الأرنب الثاني: تتكلم وكأنك تعرف أكثر منا، من أين جاء هذا النقص؟ من أين جاء هذا الخوف؟
الطائر: الخوف لا يأتي من الجوع وحده، الخوف يولد حين لا نعرف من نصدق.
(الأسد يقف جانباً، يراقب ولا يتدخل، صمته أثقل من الكلام)
الأسد: حين كنت صغيراً، علمتني الغابة أن الصوت الأعلى ليس دليلاً، وأن الاتهام السريع غالباً ما يخفي عجزاً عن الفهم.
الخروف الثاني: لكن الغابة تتفكك يا مولاي، وإذا لم نحسم الأمر الآن سنخسر كل شيء.
الأسد: الحسم دون معرفة يشبه قطع الشجرة لأن ورقةً سقطت.
(صمت ثقيل. نظرات متبادلة..في زاوية بعيدة، الثعالب تتحرك ببطء، تتكلم وكأنها لا علاقة لها بما يجري)
الثعلب الأول: انظر كيف يبحثون عن كلمات كبيرة ليغطوا بها خوفهم الصغير.
الثعلب الثاني: الأخلاق الآن في أوجها، كل واحد صار واعظاً، وهذا أفضل وقت لنا.
الثعلب الثالث: لكن الأسد بدأ يشك، صمته ليس كسابقه.
الثعلب الأول: السلطة حين تشك، تبحث عن المتهم الأقرب، وليس عن الحقيقة الأبعد.
(جدال علني.. الحيوانات تتواجه)
الأرنب الأول: نقترح تقسيم الموارد تحت رقابة الجميع، لا نريد وعوداً، نريد أفعالاً.
الخروف الأول: ومن يضمن أن الرقابة لن تتحول إلى وسيلة اتهام جديدة؟
الطائر: كل اقتراح يولد ميتاً إذا لم يولد معه قدر من الثقة.
(ضحكة خافتة تصدر من مكان غير محدد)
الأرنب الثاني: هل سمعتم؟ حتى الضحك صار يراقبنا.
(الأسد يتقدم خطوة إلى الأمام، صوته هادئ لكنه حاسم)
الاسد: هناك من يستفيد من هذا الانقسام، من يربح حين نخسر ثقتنا ببعضنا، والغابة لم تعرف هذا النوع من الخراب من قبل.
(ينظر مباشرة نحو جهة الثعالب، دون أن يسميهم)
الثعلب الأول:(متقدماً بخطوة، بنبرة مصالحة)
مولاي، نحن جميعاً أبناؤك، ولا يجوز أن نبدأ لعبة الاتهام، الغابة تمر بمرحلة صعبة والجميع متوتر.
الاسد: كلام جميل، لكنه لا يشرح شيئاً.
الثعلب الثاني: نحن مع الاستقرار، ومع أن تهدأ النفوس، لا أكثر.
(نظرات شك تنتقل بين الحيوانات..الأرنب يهمس للخروف، والخروف يتردد)
الأرنب: ألا تلاحظ أن الثعالب دائماً حاضرة حين نختلف، وغائبة حين نحتاج فعلاً للحل؟
الخروف: لاحظت، لكني لم أرد أن أقولها بصوت عالٍ.
الطائر: الأشياء التي لا نقولها هي التي تتحكم بنا.
(إظلام)
المشهد الثالث:
(الغابة أكثر هدوءاً من ذي قبل، لكن الهدوء هنا مريب، كأن الجميع يتنفس بحذر.. الحيوانات مصطفة في دوائر غير منتظمة، والأسد في المنتصف، لا كحاكم بل كشاهد)
الأسد: سأطرح سؤالاً واحداً فقط، ومن لا يملك جواباً فليصمت، من كان المستفيد من هذا الخوف الذي كبر بيننا؟
(صمت طويل، تتبادل الحيوانات النظرات، بعضهم يخفض رأسه)
الأرنب الأول: نحن خسرنا طعامنا وطمأنينتنا، لم نستفد شيئاً.
الخروف الأول: ونحن خسرنا سمعتنا وثقة الآخرين، لم نربح سوى الاتهام.
الطائر: ومن الأعلى، لم أرى سوى دوائر تتصادم، ولاحظت أن هناك من كان دائماً خارج الدائرة.
(تتجه الأنظار ببطء نحو الثعالب..الثعالب تحاول الحفاظ على تماسكها، لكنها لم تعد واثقة)
الثعلب الأول: هل صرنا متهمين لأننا صامتون؟ الصمت ليس جريمة.
الأسد: الصمت ليس جريمة، لكنه يصبح دليلاً حين يتكرر في اللحظة المناسبة.
الثعلب الثاني (بصوت أقل ثباتاً) نحن فقط حاولنا حماية أنفسنا،الغابة لم تعد آمنة.
الأسد: الغابة لم تعد آمنة منذ بدأ الكلام يسير أسرع من الحقيقة.
(الأرنب يتقدم خطوة، يتردد ثم يتكلم)
الارنب الثاني: سمعتهم ذات ليلة، لم أفهم كل شيء، لكني سمعت أسماءنا تتكرر، وسمعت كلمة واحدة كانت كافية، الفتنة.
(همهمة تعلو)
الخروف الثاني: وأنا رأيتهم ينتقلون بيننا، ينقلون الكلام بصيغة النصيحة، وكأنهم حريصون علينا أكثر من أنفسنا.
الطائر: المكر لا يصرخ، المكر يهمس، ومن يهمس كثيراً يخاف أن يسمع.
(الثعلب الثالث ينظر حوله، يدرك أن الدائرة تضيق)
الثعلب الثالث: حتى لو أخطأنا، هل هذا يبرر كل هذا الاتهام؟ الجميع شارك في الفوضى.
الاسد: صحيح، الجميع شارك، لكن ليس الجميع كتب السيناريو.
(تسقط هذه الجملة كحجر في الماء..الثعلب الثاني ينهار تدريجياً، صوته يرتجف)
الثعلب الثاني: لم نكن نريد كل هذا، كنا نظن أننا أذكى، وأن اللعب على الحواف سيبقينا آمنين، لم نحسب أن الخوف يمكن أن يكبر إلى هذا الحد.
الثعلب الأول (غاضباً) اصمت، الاعتراف لا ينقذ أحداً.
الأسد: أحياناً لا ينقذ، لكنه يعري.
(الأسد يتقدم خطوة إضافية، يقترب من الثعالب)
الأسد: السلطة الحقيقية ليست في أن تحرك الآخرين، بل في أن تتحمل نتيجة ما حركت، والغابة لن تعود كما كانت إلا إذا سمت الأشياء بأسمائها.
(إضاءة تشتد، كأن الغابة نفسها تستيقظ)
الأرنب الأول: نحن لسنا أبرياء تماماً، صدقنا الشك أكثر مما صدقنا بعضنا.
الخروف الأول: لكننا الآن نرى، وربما هذه هي البداية.
(إظلام)
المشهد الرابع:
(ساحة مفتوحة في قلب الغابة، لا منصة مرتفعة ولا قفص، الجميع على المستوى نفسه، الاسد في المنتصف، الثعالب قبالته، الحيوانات تشكل دائرة واسعة)
الأسد: لن تكون هذه محاكمة بالمعنى الذي تعرفونه، لا قاضي هنا ولا جلاد، ما نريده أن نفهم كيف صرنا غرباء ونحن في المكان نفسه.
الثعلب الأول: إذا كان الفهم هو الهدف، فلماذا نشعر أننا محاصرون؟
الأسد: لأن الحقيقة حين تقال تجعل صاحبها عارياً، حتى لو لم يعاقب.
(الطائر يحلق ببطء ثم يستقر)
الطائر: رأيتكم تقتاتون على القلق، كلما ازداد خوف أحدنا كبر نفوذكم، لم تحملوا سلاحاً، حملتم تفسيراً.
الثعلب الثالث: كنا نفسر الواقع، لم نخترعه.
الطائر: التفسير حين يوجه يصبح اختراعاً.
(الخروف يتقدم بخطوات ثقيلة)
الخروف الأول: جئتم إلينا بوجه الناصح، قلتم احذروا الأرانب، إنهم يخفون أكثر مما يظهرون، صدقناكم لأنكم لم تأمرونا، فقط زرعتم الشك.
الأرنب الأول: وجئتم إلينا بالوجه نفسه، قلتم الخراف تتوسع بصمت، وإن الصمت أخطر من الضجيج، فصدقناكم لأننا كنا خائفين.
الثعلب الأول: الخوف كان موجوداً قبلنا.
الأسد: صحيح، لكنكم منحتموه لساناً.
(الثعلب الثاني يتكلم وكأنه يتخلص من ثقل)
الثعلب الثاني: لم نعتقد أن الأمر سيصل إلى هنا، كنا نظن أن الجميع سيتوقف عند حد الشك، لم نفكر أن الشك إذا ترك وحده يتحول إلى سلوك.
الأسد: وهنا تكمن الجريمة، ليس في الفعل الأول، بل في الاستمرار حين اتضح الخراب.
(صمت طويل، ثم الأرنب يتكلم بنبرة أقل حدة)
الأرنب الثاني: نحن أيضاً مسؤولون، اخترنا الطريق الأسهل، صدقنا الرواية التي تريحنا وتمنحنا عدواً واضحاً.
الخروف الثاني: نعم، الاتهام كان أسهل من الحوار.
الأسد: لهذا لن تكون العقوبة سجناً ولا نفياً، العقوبة أن نعيد النظر في أنفسنا قبل أن نعيد النظر في غيرنا.
(الاسد يلتفت إلى الثعالب)
الأسد: أما أنتم، فلن تقصوا عن الغابة، لكنكم لن تكونوا في مركزها، من يعبث بالثقة يحتاج وقتاً طويلاً ليستعيد حق الكلام.
الثعلب الاول (بصوت منخفض) وهل هذا حكم أم فرصة؟
الأسد: كلاهما، الحكم أن تراقبوا، والفرصة أن تتغيروا.
(إظلام)
المشهد الخامس:
(الغابة تبدو أكثر هدوءًا، لكن الهدوء هنا حذر. الحيوانات تتجمع تدريجيًا حول مناطقها المعتادة. الأرانب تزرع ببطء، الطيور تجمع الأغصان، والخراف ترعى بهدوء. الثعالب موجودة في الخلفية، تتخذ موقعًا مترددًا)
الأرنب الأول: انظروا كيف بدأ التراب يستعيد نفسه، كل بذرة زرعناها قبل الفوضى تستيقظ من جديد. التعاون وحده يجعل الأرض تنبت.
الخروف الأول: نعلم الآن أن كل شجار كنا ندخله كان يسرع الخراب، وأن كل من أراد منفعة لنفسه على حساب الآخرين، فقد زاد عتمة الغابة.
الطائر: والآن الطيران ليس فرارًا، بل مراقبة، ليس خوفًا بل فهمًا. نحن نرى أننا أقوى حين نعمل معًا.
(الثعالب تتحرك ببطء نحو وسط الغابة، تبدو عليها علامات الخجل والندم.. الأسد يراقبها بهدوء، لكنه لا يتدخل)
الثعلب الأول: لقد فهمنا خطأنا، ربما لا نستحق أن نكون هنا، لكننا جئنا لنثبت أننا قادرون على التغيير.
الثعلب الثاني: لن نخدع أحدًا بعد الآن، لن نزرع الخوف، ولن نستخدم أي حيلة. نريد أن نكون جزءًا من الحل.
الثعلب الثالث: نرغب في أن نعمل، لا أن نسيطر، نريد أن نعيد شيئًا من الثقة التي كسرناها.
الأسد: الغابة لا ترحب بالخداع، لكننا نؤمن بالتوبة، إذا كانت النية صادقة، فالفرصة موجودة لإصلاح ما أفسدتموه.
(الأرنب والخروف يتبادلان النظرات، ثم ينظران للثعالب)
الأرنب الأول: سنبقى حذرين، لكن إذا صدقت نيتكم، فقد نستفيد من خبرتكم في إدارة الأمور بحكمة.
الخروف الأول: الوحدة لا تعني قبول الجميع دون شروط، لكن إذا أرادوا الإصلاح، علينا أن نمنحهم فرصة.
الثعلب الأول: نعدكم أن نبدأ من جديد، دون مكائد، دون خوف، دون خداع، نريد فقط أن نكون جزءًا من هذه الغابة كما يجب أن تكون.
(جميع الحيوانات تبدأ العمل معًا.. الأرانب تزرع، الطيور تنقل الأغصان، الخراف ترعى وتحرث بعض المناطق. الثعالب تشارك بخجل، لكن الآن مشاركتها ملاحظة، متقبلة للإشراف. الأسد يقف في الوسط، صامت، يراقب الانسجام المتزايد)
الأرنب الثاني: لم نعد نعيش على الهامش، كل واحد يعرف دوره، وكل واحد يحترم الآخر، هذا هو الطريق للحياة المستقرة.
الطائر: نتعلم الآن أن الاختلاف لا يفرقنا، بل يجعلنا أقوى، وأن الفتنة تبدأ صغيرة، لكنها تكبر إذا لم نكن يداً واحدة.
الخروف الثاني: كل من اختار التعاون أصبح جزءًا من الغابة،وكل من اختار الفتنة،تعلم أن الحيلة لا تصمد أمام وعي الجماعة.
(الثعالب تجلس لبعض الوقت، تتبادل النظرات، ثم تتحرك إلى جانب الأرانب والخراف، الطيور تحلق فوقهم. الجميع يعمل بترتيب عفوي، يبدو الانسجام واضحًا)
الثعلب الأول: لقد فهمنا أخيرًا أن القوة الحقيقية ليست في المكر أو الخداع، بل في الصدق والعمل المشترك، في رؤية الآخرين جزءًا منا وليس عدوًا لنا.
الثعلب الثاني: نعلم الآن أن أي محاولة للتحايل أو اللعب على الثقة ستفضح عاجلاً أو آجلاً، وأن الوحدة هي الدرع الحقيقي.
الثعلب الثالث: والعمل معًا هو الطريق الوحيد لنستعيد الغابة كما كانت، أقوى وأجمل.
(الأسد يتقدم خطوة إلى الأمام، يلتفت إلى الجمهور مباشرة، صوته هادئ لكنه حاسم)
الأسد: الحياة مليئة بالتحديات، والمكائد قد تكون جزءًا منها، لكن الثقة والوحدة والعمل المشترك هي أسلحتنا ضد كل من يحاول زعزعة استقرارنا. الغابة لن تنهار إذا تعلم الجميع أن يقفوا معًا، وأن يحموا ما بينهم أكثر مما يحمون أنفسهم.
(إظلام)
المشهد السادس:
(الغابة مضاءة بضوء النهار، الأشجار تصنع ظلالًا مترابطة، الطيور تحلق بهدوء، الأرانب تزرع الأرض بعناية، والخراف تعتني بمراعيها. الثعالب تتقدم بخطوات مترددة، لكن أفعالها متقنة وتلتحم مع باقي الحيوانات. الأسد يقف في الوسط، يراقب الجميع، وجهه يعكس حكمة وتفكير عميق)
الأسد: لقد مررنا بالكثير، تعلمنا أن كل اختلاف لا يعني العداء، وكل شك لا يعني خيانة، وأن الفتنة تبدأ صغيرة لكنها تنمو إذا لم نتصدى لها جميعًا.
االأرنب الأول:لآن نعرف أن التعاون هو السبيل الوحيد للنجاة، وأن كل منا جزء من الحياة، وليس جزءًا منفصلًا عنها.
الخروف الأول: نعم، كل دور له قيمته، كل فرد مسؤول عن حظه وحظ الغابة، وكل من اختار المكر عليه أن يعرف أن الحقائق سرعان ما تنكشف.
(الثعالب تتحرك بحذر، وتشارك في العمل مع بقية الحيوانات. يبدو أن هناك نوعًا من القبول المشروط. الأرنب والخروف يراقبونها بعين حذرة، الطيور تحلق فوقهم كرمز للرصد المستمر)
الثعلب الأول: لقد تعلمنا أن القوة ليست في المكر أو التلاعب، بل في العمل المشترك، وفي احترام من حولنا، وفي مواجهة العواقب بدل الاختباء خلفها.
الثعلب الثاني: لقد فهمنا أن أي محاولة للسيطرة على الآخرين لن تصمد، وأن الثقة لا تشترى، بل تبنى، خطوة بخطوة.
الثعلب الثالث: نريد أن نكون جزءًا من هذا النظام الجديد، جزءًا من الغابة كما يجب أن تكون، جزءًا من الحياة وليس من الخراب.
(الأسد يخطو خطوة للأمام، يلتفت للجميع، صوته يملأ الغابة بهدوء وقوة.)
الأسد: الغابة ستبقى رمزًا للوحدة والتعاون، ولن نسمح لأي مكيدة بأن تفرقنا مرة أخرى. من تعلم درس الثقة سيصبح حامياً لها، ومن خانها، سيتعلم أن الطريق المستقيم أطول، لكنه أصدق.
الأرنب الثاني: نحن الآن نعرف أن الاختلاف لا يفرقنا، بل يجعلنا أقوى إذا تعلمنا أن نتعامل مع بعضنا بحكمة.
الخروف الثاني: الحياة ليست مجرد البقاء، الحياة هي القدرة على التعلم، على الإصلاح، وعلى حماية ما نملك من روابط.
الطائر: وكل من يحاول زعزعة الاستقرار لن ينجح طالما هناك من يفهم أن العمل المشترك أقوى من أي مكيدة.
(الثعالب تجلس لبعض الوقت مع بقية الحيوانات، الجميع يعمل بانسجام تام، كل حركة محسوبة، كل مشاركة مقبولة. الضوء يزداد دفئًا، والهدوء يعم المكان، الغابة تبدو وكأنها تتنفس من جديد)
الثعلب الأول: نعدكم أن نبدأ من جديد، دون مكائد، دون خوف، ودون خداع، نريد فقط أن نكون جزءًا من هذه الغابة كما يجب أن تكون.
الثعلب الثاني: نعلم الآن أن أي محاولة للتحايل ستفضح عاجلاً أو آجلاً، وأن الوحدة هي الدرع الحقيقي لكل منا.
الثعلب الثالث: العمل معًا هو الطريق الوحيد لنستعيد الغابة كما كانت، أقوى وأجمل، ولن نكرر أخطاء الماضي.
(الأسد يخطو إلى مقدمة المسرح، يلتفت إلى الجمهور مباشرة، صوته صار حازمًا وواضحًا)
الأسد: الحياة مليئة بالتحديات، والمكائد قد تكون جزءًا منها، لكن الثقة، الوحدة، والعمل المشترك هم أسلحتنا ضد كل من يحاول زعزعة استقرارنا.. الغابة لن تنهار إذا تعلم الجميع أن يقفوا معًا، وأن يحافظوا على روابطهم،وأن يحموا ما بينهم أكثر مما يحمون أنفسهم.
(موسيقى هادئة، الحيوانات تتحرك بانسجام، الطيور تحلق فوق الجميع، الثعالب جزء من المشهد الآن، لكن الوعي والاحترام متبادلان، الأسد يراقب الجميع بهدوء وحكمة)
((النهايـــة))
ملاحظــة: ((التواصل مع المؤلف عند الشروع في إخراج النص))
محمد صخي العتابي
mohammed.alatabi@gmail.com
نص مسرحي(شرق أوسط جديد) تأليف: محمد صخي العتابي
الراوي(بصوت عميق متردد أحيانًا):
في البدء كانت الأرض تصرخ بصمت، والسماء تهيم بلا عنوان، والبحر يهمس في لياليه الطويلة: احذروا من دموع التماسيح. عيون بكت لا حباً في الإنسان، بل شهوة لابتلاعه... والقرن الجديد يفتح فمه كالوحش، يلتهم الحكايات القديمة، ويعيد رسم الجراح بلون أعمق، أكثر ظلمة.
إنهم اليوم يرسمون خارطة جديدة للشرق الأوسط، ليس بالحبر، بل بالدم، وبأنفاس الشعوب الممزقة.
(الإعلامي يدخل من الجهة اليمنى، يحمل كاميرا كبيرة، يبتسم ابتسامة عريضة متملقة للعدسة)
الأعلامي:أيها السادة والسيدات، العالم بخير لا تصدقوا الصور القديمة... تلك كانت لحظة حزن عابرة، أما اليوم فالمستقبل مشرق، والأحلام تعبأ في زجاجات أنيقة وتباع في أسواق الحرية. نعم، نحن نصنع الواقع، أو على الأقل نظهره كما نريد.
الراوي (بصوت ساخر):
يا لك من مهرج يلبس ثوب الحقيقة ألا تعلم أن الكلمة أصبحت رصاصة في فم الكاذب، وأن الصورة تغسل بالدم قبل أن تعرض على الشاشات؟
الإعلامي(متلعثمًا، يحاول الدفاع عن نفسه):
أنا لا أكذب... أنا أصف الواقع كما يريدون أن يكون. أنا مرآة السلطة لا مرآة الناس، والمرآة إن عكست القبح تكسر.
(يدخل الوزير الأمريكي، يرتدي بدلة داكنة، يحمل ملفًا كبيرًا من الأوراق وأقلامًا بألوان مختلفة)
الوزير الأمريكي:سيداتي وسادتي، نحن هنا لنرسم الغد، غداً بلا فوضى، بلا حروب، غدًا بالحدود الواضحة والولاءات المضمونة. هذه الخريطة (يشير إلى الجدار) تحتاج فقط إلى بعض اللمسات الفنية. الشرق الأوسط القديم قد تهرأ، صار كعباءة مثقوبة، ونحن نمنحكم عباءة جديدة من صنعنا، مصممة بعناية… لتناسب مصالحنا، وبشكل يليق بالسياسة الدولية.
(السياسي العربي يتقدم بخطوات مترددة، يلمس الخريطة بأصابعه وكأنه يحاول أن يشعر بألمها)
السياسي العربي:لكن الشعوب يا سيدي… لا تفصل كما الثياب، والدم لا يغسل بالحبر، والخرائط لا تخلق في المكاتب، بل على صدور الشهداء.
الوزير الأمريكي(بابتسامة كأنه يعلن حقيقة لا تناقش):
نحن لا نقتل أحدًا… نحن فقط نعيد الترتيب، نحذف بعض المدن، نضيف بعض القواعد، نبدل أسماء، نعيد الألوان إلى أماكنها الصحيحة. العالم لوحة، ونحن رساموه.
السياسي العربي (بصوت ممتزج بالغضب واليأس): ولو كانت هذه الألوان من دمائنا؟
الوزير الأمريكي: لا تقلق، دماؤكم مطيعة، تسيل ببطءٍ جميل، كالموسيقى التي ترافق الاحتفالات الديمقراطية.
(صمت ... أصوات انفجارات)
الراوي:ها هي الحقيقة تخرج من مخبئها، تتعثر بخطوط النفط، وتغرق في عيون تبتسم بينما الخرائط تسلخ كجلد حي. والعيون المبتسمة، تلك التي تحتفل بالخرائط الجديدة، لا تعرف أن دماء الناس ليست حبرًا.
(يدخل الشاب الثائر، ثيابه مغبرة، يحمل لافتة مكتوب عليها: نريد وطناً لا خريطة جديدة. خطواته سريعة، عيناه تحترقان بالغضب والوعي)
الشاب الثائر: أيها السادة، نحن لسنا مربعات على ورقكم، نحن أرواح تحلم بالحرية، بالكرامة، بخبز من عرق لا من صدقة، وبسماء تنجب الغيم لا الطائرات. أنتم تصنعون الخرائط ونحن نموت داخلها.
الإعلامي(يحاول تصويره بالكاميرا):
ابتسم من فضلك، الجمهور يحب الثوار الذين يموتون بابتسامة.
الشاب الثائر(يصرخ في وجهه.. صوته يكسر صمت المسرح):
أنا لا أبتسم للموت… أنا أصرخ بوجهه ...الكاميرا ليست شاهد عدل، إنها شاهد زور على مقصلة تدار باسم الإنسانية.
(تدخل الأم خطواتها بطيئة وثقيلة)
الأم:يا بني، صار البكاء عادة، والانتظار طقس يومي…رأيت في الأخبار أن التماسيح تبكي وهي تأكل فريستها، فقلت لنفسي: ربما العالم كله صار تمساحًا كبيرًا.
الشاب الثائر: أمي… ما زال في القلب بعض الأمل.
الأم (بمرارة): الأمل؟ يا ولدي، صار الأمل كعملة من زمن قديم، لا أحد يقبل بها في السوق، لكننا نحملها في قلوبنا كتميمة ضد الانهيار.
الراوي:كلهم يبكون الآن، ولكن دموعهم مختلفة. هناك من يبكي لأن ابنه مات، وهناك من يبكي لأن خطته لم تنجح بعد. الفرق بين الدموع ليس في الملوحة، بل في النية.
(الوزير الأمريكي يقترب من الأم، يقدم لها منديلًا أبيض)
الوزير الأمريكي: نحن نتألم لأجلكم، ونتعهد بالمساعدات الإنسانية، فدموعكم غالية علينا، وسنرسل باخرة مليئة بالمناديل لتجفيفها.
الأم (بصوت يقطع القلب):احملوا مناديلكم وعودوا إلى بلادكم، فدموعنا لا تجفف، إنها تنبت أطفالاً آخرين.
(صمت...الراوي يتقدم خطوة صوته يعلو)
الراوي:هكذا تكتب الخرائط في زمن مسموم، ترسم بالدموع، وتعجن بالأكاذيب. الشرق الذي عرف التاريخ صار لوحة للبيع، تعرض في المزاد العلني بين الدول الكبرى. والعالم كله يجلس متفرجًا، يتحدث عن الإنسانية وهو يطحن الإنسان.
(الموسيقى ترتفع تدريجيًا: أصوات الريح، صوت البحر البعيد، أصوات انفجارات متقطعة، مزيج من صوت المدينة الممزقة والحشود الصامتة)
الراوي: دموع التماسيح… لا تجف، لأنها لا تنبع من القلب، بل من المصالح. تلك الدموع تغسل بها الخيانات، وتقدم للعالم كدليل على الإنسانية المزعومة.
اللوحـة الثانيــة:
الشاب الثائر (بصوت حاد، يملؤه غضب ووعي):
أين أنتم أيها القتلة؟ أين أنتم أيها... من يبيعون الوطن في المزاد العلني؟ لقد مللنا الصمت… نحن نصرخ باسم كل طفل مات، باسم كل أم فقدت ولداً، باسم كل جرح لم يجد ضوءه بعد.
الأم (تهز رأسها بحزن): أوه يا ولدي… القوة التي تحكم العالم لا تسمع إلا صدى نفسها… كل صرخة تتردد لتصبح ترويسة خبرية، وكل دمعة تباع كسلعة… ونحن نقف هنا بلا حول ولا قوة.
(الإعلامي يقترب بالكاميرا، لكن يبدو عليه الخوف، يلتقط المشهد وكأن الكاميرا أصبحت شاهدًا على الجريمة، لا مجرد أداة للتصوير)
الإعلامي: ابتسموا… الناس تحب التمثيل، حتى الدموع تحتاج إلى إطار. الجمهور لا يعرف الفارق بين البكاء الحقيقي والمزيف… دعونا نقدم لهم الدموع الأكثر سطوعًا.
الشاب الثائر (بغضب، يلوح بيده نحو الكاميرا):
لا… لا شيء منكم حقيقي.. كل ابتسامة، كل دمعة، كل صورة… خدعة. الثورة ليست مسرحية، والشهادة ليست إعلانًا.
(الوزير الأمريكي يظهر مرة أخرى يحمل ملفًا جديدًا، يقف أمام الخريطة الممزقة يبتسم بخبث):انظروا… كل شيء يسير وفق خطتنا. كل انفجار، كل خبطة، كل دمعة… حساب دقيق. لقد أصبح الاستقرار مرادفًا لموت أنيق. نحن نصنع التاريخ… بصمت، وبدماءكم.
السياسي العربي(يظهر منهكًا يلمس الخرائط الممزقة):
لقد وعدتنا بالنهار… فجلب لنا ليلًا طويلًا. وعدت بالأمن… فجلبت المقابر بأسماء براقة. قل لي… أي جريمة ارتكبنا لنعاقب بهذا القدر من الإصلاح؟
الوزير الأمريكي (بابتسامة قاتلة): أنتم لم ترتكبوا جريمة، أنتم فقط كنتم في المكان الخطأ من التاريخ.
السياسي العربي (يضرب بيده على الخريطة، صوته يملؤه الغضب):
التاريخ؟ نحن كتبناه بدمنا… وأنتم سرقتم التوقيع.
الوزير الأمريكي (ساخرًا): هل الدم توقيع صالح؟ إنه يجف بسرعة.
(صوت انفجار بعيد يهز المسرح، تتساقط أجزاء من الجدار، الشاب الثائر يهرع نحو الداخل، يحمل راية ممزقة)
الشاب الثائر(صوته ممتلئ بالغضب): أنتم تتحدثون عن التاريخ ونحن نحترق في الحاضر.. الوطن مقطع على منصاتكم… دماؤنا مادة دعائية لعالمكم العادل.
الإعلامي (يحاول التهدئة، ميكروفونه يرتجف في يده): اهدأ… الكاميرات لا تحب الغضب، الغضب يشوه الصورة.
الشاب الثائر (بحدة): بل الصورة هي التي شوهت الغضب أنتم جعلتم الثورة مشهدًا، والشهادة خبراً عاجلاً يليه إعلان عن عطر جديد!
(الأم تدخل مسرعة، وجهها ملطخ بالغبار، تحمل قطع..ماش صغيرة)
الأم (تصيح): لقد بحثت عنه بين الركام، بين الصوت والنار… لم أجد سوى هذا.. قالوا لي: ابنك شهيد، فقلت لهم: لا، ابني كان يريد أن يعيش فقط.
الراوي (صوته كصدى تحت الأرض): في زمن توزع فيه الشهادات كجوائز، يصبح الموت وظيفة رسمية، ويصبح الحزن شعارًا انتخابيًا.
(الوزير الأمريكي يقف، يصفق ببطء)
الوزير الأمريكي: أحسنت يا امرأة… كل أم تبكي تضاف إلى رصيدنا في سجل النوايا الطيبة. نحن بحاجة إليكم لتبرير وجودنا الإنساني.
الأم (تصرخ بحرقة): كفاكم كذباً.. دموعكم تقتلني مرتين، مرة حين تذرفونها، ومرة حين تصدقونها.
(صمت ثقيل، صوت المؤذن يتردد من بعيد)
السياسي العربي (بصوت خافت): كم مرة سمعنا هذا النداء ولم نجب؟ كم مرة تجاهلنا الله لنرضي التماسيح؟
الراوي: حين يفقد السياسي ضميره، يطلب الفتوى من الشيطان.
(الإعلامي يتحرك نحو الكاميرا، يتحدث للجمهور)
الإعلامي: خبر عاجل… بدأت الدول الكبرى تنفيذ خارطة الشرق الأوسط الجديد، وتهدف الخطة إلى نشر الأمن والازدهار والتعاون…
(يتوقف فجأة) لكن… أين الأمن؟ أين الازدهار؟ لماذا أشم رائحة لحم محترق بين الجمل؟
الراوي: لأن الحقيقة حين تقال، تحترق اللغة.
(الوزير الأمريكي يضع يده على كتف الإعلامي) تبحث كثيرًا… الحقيقة ترهق المشاهد..
الشاب الثائر: أريد أن أسأل سؤالاً واحدًا فقط: هل يمكن أن تبكي السماء حقًا؟ أم تمطر لأنها ضاقت بما نفعله؟
الأم (بصوت مرتعش): لقد بكت السماء كثيرًا يا ولدي… لكن دموعها لم تطفئ النار.
السياسي العربي (يحاول النهوض): كنت أظن أني أملك القرار… فإذا بي مجرد توقيع على اتفاق لا أفهم لغته… نحن من باعنا الأصدقاء، لا الأعداء.
الوزير الأمريكي (يضحك ضحكة طويلة): في السياسة، لا أصدقاء ولا أعداء، فقط مصالح تغير وجوهها كما تغير الحرب ساحاتها.
الراوي(يتقدم خطوة إلى الأمام): وهكذا صار العالم مسرحًا، تتبدل فيه الأقنعة كل لحظة، ويصفق الجمهور بعد كل مأساة كما لو كانت كوميديا جديدة… أيها البشر، متى ستدركون أن البكاء لا يغير الخرائط، وأن الدموع التي تذرف في الصالونات ليست سوى دموع تماسيح؟
(الإضاءة خافتة، الأم تغني بصوت مكسور أغنية قديمة، الشاب يقترب منها)
الأم (تغني):
الأم: لكنهم أقوى منك يا ولدي…
الشاب: ربما… لكن التاريخ لا يكتبه الأقوياء، بل من يصر على قول "لا" ولو بدمهم.
(الوزير الأمريكي يضحك بسخرية) : جميل… كلمات شاعرية تصلح لمقاطع تحفيزية على مواقعنا الدعائية… سنجعلها شعارًا جديدًا لبرامج التنمية.
الشاب (بغضب): أنتم تسرقون حتى الكلمات.
الراوي؛ حين تسرق القوة اللغة، يصبح الصمت المقاومة الأخيرة.
(الضوء يخف تدريجيًا، ثم يشتعل بلون أزرق، الجميع يتحرك ببطء كما لو في حلم ثقيل)
الإعلامي(بصوت متقطع): العناوين تتغير… الأسماء تتبدل… الدماء واحدة… كل شيء يبدو منظمًا، إلا الأنسان… فهو الفوضى الوحيدة التي يخشونها.
الراوي: الأنسان… هو الخطر الحقيقي على مشاريعهم، لأنه قادر على رؤية الفرق بين الدموع الحقيقية ودموع التماسيح.
اللوحـة الثالثــة:
(الخشبة مظلمة جزئيًا، صوت الريح يتصاعد مع خرير مياه وهمية تتدفق عبر المسرح، أضواء حمراء وزرقاء تتخلل الظلام. الخريطة على الجدار ممزقة، خطوطها الحمراء تتدفق كالدماء. الشاب الثائر واقف، رايته الممزقة في يده، الأم جالسة على الأرض تحتضن قطعة القماش، الوزير الأمريكي يجلس على الطاولة محاطًا بالشاشات، الإعلامي يقف حائرًا بين الكاميرا والخرائط)
الشاب الثائر (بصوت مرتفع، يملؤه غضب):
كفى خداعًا كل خط رسمتموه على هذه الخريطة هو جرح في جسد وطننا… كل لون أضعتموه هو دم من دمائنا… لن نصمت أكثر.
الأم (ترفع رأسها، دموعها تختلط بالغبار):
يا ولدي… الأرض التي ولدنا عليها لم تعد تعرف… كل ما تبقى لنا هو الذاكرة، وقطع من الحنين.
لقد فقدنا القدرة على الكلام… كل كلمة تقولها تصنعها السلطة قبل أن تصل إلى الناس… كل وعد نسمعه، يتحول إلى قبر جديد… نحن مجرد أرقام على قوائم الانتظار.
الوزير الأمريكي (يبتسم): أرقام؟ بل نحن نصنع الأرقام… كل دمعة لها سعر، كل جرح له حساب. أنتم جزء من اللوحة، ونحن الرسامون.
الإعلامي (يحاول تهدئة الموقف، ميكروفونه مرتجف):
كل شيء يسير وفق الخطة… الجمهور يريد الدموع، يريد المشهد… حتى الثورة أصبحت عرضًا بصريًا، والشهادة مجرد عنوان عاجل.
الشاب الثائر (غاضبًا يلوح بيده نحو الإعلامي):
انظر حولك لم تعد الثورة حقيقية… لم تعد الحياة حقيقية… لقد استبدلتم الألم بالتصوير، والموت بالعنوان… حتى دماؤنا صارت مادة دعائية.
(صوت انفجار هائل يملأ المسرح، تسقط أجزاء من الخريطة، تتطاير الأوراق، الأم تغطي وجهها، الشاب يحمي رايته،
الأم (تصرخ): يا إلهي… كل شيء ينهار من حولنا… كل شيء… حتى أحلامنا… لقد أصبح الحزن مسرحًا… والموت خبرًا يقدم للعالم كإحصائية.
الراوي (يظهر في منتصف المسرح، صوته عميق):
في زمن تباع فيه الدموع، ويستأجر الحزن، يصبح الصمت هو المقاومة الأخيرة… ويصبح الدم مجرد حبر على خرائطهم… لكن الأرض لا تنسى، والسماء لا تكذب.
الشاب الثائر (يصرخ نحو الخريطة): أنتم تحاولون رسم مستقبلنا، لكن المستقبل هنا… في القلب، في الروح، في الصرخة التي لا تكسر… لن نركع أمام الخرائط الممزقة، ولن نموت بصمت.
السياسي العربي (يحاول النهوض، صوته متهدج): لقد وعدونا بالسلام، وجلبوا الحروب… وعدونا بالعدل، وجلبوا المقابر… كل ما تبقى لنا هو الألم، لكنه ألم حي حقيقي، لا يمكنكم تزويره.
الوزير الأمريكي (ينهض ببطء، يضع كأس ماء على الطاولة):
اشرب يا فتى، الماء دواء الغضب… لكنه لن يروي عطشك للانتقام…هذا ليس سوى بداية الحساب.
(الضوء يتحول إلى أحمر داكن، أصوات الصراخ والبكاء تتصاعد، الأم تقف وتحمل قطعة القماش كما لو كانت علم الوطن)
الأم (بصوت مرتعش): ها هو التراب يحتضن كل أحلامنا… كل دموعنا… وكل وعودنا الفارغة… لكنني لن أترك طفلي يرحل دون أن يرى الحقيقة… دون أن يرى الأرض تبتسم له مرة واحدة قبل أن تدمر.
الشاب الثائر(يقف بجانبها يرفع الراية):
لن يرحل… لن نستسلم… نحن صرخة الأرض، نحن صوت الأطفال الذين لم يولدوا بعد… لن نسمح للخرائط أن تقتل مستقبلنا.
(الإعلامي يقف متردداً، الكاميرا تهتز في يده، يبدو وكأنه فقد السيطرة)
الإعلامي (بصوت منخفض): لقد سئمت… كل ما صورته أصبح خيانة… كل عنوان كتبته أصبح جثة…أريد أن أصرخ… لكن لا أحد يسمع.
الراوي (بصوت جهوري): الإنسان هو الخطر الحقيقي على مشاريعهم… لأنه يميز بين دمعة حقيقية ودموع التماسيح… وحين يرفع صوته، ينهار العالم المزيف.
(صوت انفجار آخر.. المطر يبدأ بالتساقط على المسرح، أضواء حمراء وزرقاء تتقاطع، الأم والشاب يجلسان على الأرض، الوزير الأمريكي يحاول الإمساك بالخريطة الممزقة)
الشاب الثائر (ينهض، يصرخ): لأن الأرض مشبعة بالدم… والسماء لا تسمح لمزيد من الخرائط… هذه الأرض حية… وكل دم قديم أو جديد يرفض أن يصبح مجرد أرقام.
الأم (ترفع يديها إلى السماء، تمطر عليها قطرات الماء والدماء):
السماء تبكي أخيرًا… هل تبكي لأجلنا أم علينا؟ لا أدري… لكن دموعها أكثر صدقًا من دموعكم.
الراوي (يتقدم إلى مقدمة المسرح، صوته يملأ المكان):
ها هي التماسيح تحلق… لم تعد تكتفي بالماء صارت تسبح في الهواء، تبكي وهي تسقط القنابل… كل دمعة كذب تسقط على الأرض لكنها لا تقتل الحقيقة ولا تصمت الأرض.
(الإضاءة تتحول إلى ضوء أبيض خافت، الأم تحتضن قطعة القماش، الشاب واقف بجانبها، الراوي في منتصف المسرح، الجميع ساكن كتماثيل من الطين. صوت الطفل يتردد من بعيد)
صوت الطفل: هل سيأتي الغد يا أمي؟
الأم (تبكي بصمت، تعانق قطعة القماش): سيأتي… لكنه لا يعرف الطريق بعد… علينا أن نرسمه بأنفسنا.
الراوي (خاتمة شعرية، صوته يختلط بصوت المطر والأنين):
أيها البشر… لا تنتظروا من التماسيح أن تتوب… ولا من القتلة أن يعيدوا ما سرق من الحلم… الأرض وإن بكت، دموعها ليست تماسيح… بل نداء صامت لأبنائها كي لا يموتوا وهم يبتسمون لقاتلهم.
(الموسيقى ترتفع، مزيج أصوات المطر والأنين، الضوء يخفت تدريجيًا حتى العتمة الكاملة، يبقى أثر الخريطة على الجدار يذوب خطوطه في الماء)
اللوحــة الرابعـــة:
(الخشبة مظلمة جزئيًا، صوت الريح يزداد قوة، أصوات انفجارات بعيدة تتخللها دوي صفارات تحذير. الخريطة على الجدار ممزقة، خطوطها الحمراء كدماء تنزف على الأرض. المطر يتساقط ببطء على المسرح. الشاب الثائر واقف قرب الأم، يحمل راية ممزقة، الأم تحتضن قطعة القماش الصغيرة، الوزير الأمريكي يجلس على الطاولة محاطًا بالشاشات، الإعلامي يحاول تسجيل المشهد، والسياسي العربي يقف مترددًا على الجانب)
الراوي (يبدأ بصوت هادئ، ثم يرتفع تدريجيًا):
لقد أصبح المسرح الآن خلية مفتوحة لكل الأكاذيب، لكل المآسي، لكل الدموع… هنا تتصادم الحقيقة مع الخيال، والبكاء مع القسوة… وكل شخصية تمثل جزءًا من وجع الإنسانية.
الشاب الثائر (يرفع صوته نحو الجمهور):
أنتم تحاولون فرض خريطة جديدة على وطننا… لكن الوطن ليس مجرد ورقة… الوطن قلب، روح، أمل… وأنتم ترفضون رؤية ذلك.
الأم صوتها مرتعش):
ابني… لقد تعبت من الصراخ… تعبت من الركض خلف الحقيقة… لكنني أرى في عينيك شرارة لم تمت بعد… شرارة قد تشعل العالم كله إن غضبت بما فيه الكفاية.
السياسي العربي (يقترب بحذر): لقد أعطيتنا وعودًا… جلبتم الخرائط، وخططتم الحدود… لكن أين نحن؟ أين الشعب؟ كل ما تبقى لنا هو ذكرى الموت، والحزن، والانتظار… لا أكثر.
الوزير الأمريكي(ينهض ببطء يبتسم): الشعب؟ أي شعب؟ نحن نصنع الأرقام… نصنع العناوين… نصنع العالم كما نريد… كل شيء تحت السيطرة… كل شيء… إلا قلبكم الذي يصر على رفض اللوحة التي رسمناها.
الإعلامي (يحاول تهدئة الجو، ميكروفونه يرتجف): كل شيء يسير وفق الخطة… الجمهور يطلب الدموع، يطلب المشاهد… كل شيء هنا يبث مباشرة… حتى الصرخة تصبح مشهدًا مرئيًا…
الشاب الثائر(غاضبًا، يلوح بيده نحو الإعلامي): الصورة شوهت الحقيقة الثورة أصبحت عرضًا، الموت خبرًا عاجلًا، والشهادة مجرد عنوان على الصفحة الأولى… وأنتم تبتسمون أمام الخرائط الممزقة وكأننا مجرد أرقام.
(صوت انفجار بعيد يهز المسرح، تسقط أجزاء من الخريطة على الأرض، الأم تلتقط قطعة القماش، الشاب يرفع الراية، الوزير الأمريكي يضحك)
الأم (تصرخ، صوته مملوء بالألم): كل شيء ينهار من حولنا..كل شيء.. حتى أحلامنا… الحزن أصبح مسرحًا، والموت مجرد خبر يعرض على العالم.
الراوي (صوته يتصاعد، يملأ المسرح): في زمن تباع فيه الدموع، ويستأجر الحزن، يصبح الصمت هو آخر سلاح… ويصبح الدم مجرد حبر على خرائطهم… لكن الأرض لن تنسى، والسماء لا تكذب.
الشاب الثائر ( يصرخ نحو الوزير الأمريكي): أنتم تحاولون رسم المستقبل، لكن المستقبل هنا… في قلبنا، في روحنا، في صرختنا التي لا تكسر… لن نركع أمام الخرائط الممزقة، ولن نموت بصمت.
السياسي العربي (يحاول الوقوف): لقد وعدونا بالسلام، وجلبوا الحروب… وعدونا بالعدل، وجلبوا المقابر… كل ما تبقى لنا هو الألم، لكنه ألم حي حقيقي، لا يمكن تزويره.
الوزير الأمريكي (يهز رأسه ببرود): كل شيء وفق الخطة… كل دمعة لها حساب، كل جرح له سعر… أنتم جزء من اللوحة، ونحن الرسامون.
(الإعلامي يقف مترددًا، الكاميرا ترتجف بين يديه، يبدو كأنه فقد السيطرة)
الإعلامي (بصوت منخفض):
لقد سئمت… كل ما صورته أصبح خيانة… كل عنوان كتبته أصبح جثة… أريد أن أصرخ… لكن لا أحد يسمع.
الراوي (يقترب من مقدمة المسرح، صوته يملأ المكان كعاصفة):
الإنسان هو الخطر الحقيقي على مشاريعهم… لأنه يميز بين دمعة حقيقية ودموع التماسيح… وحين يرفع صوته، ينهار العالم المزيف.
(صوت انفجار آخر، المطر يبدأ بالتساقط على المسرح، الضوء أحمر وأزرق متداخل. الأم والشاب يجلسان على الأرض، الوزير الأمريكي يحاول الإمساك بالخريطة الممزقة)
الوزير الأمريكي (مضطرب، يحدق في الخريطة): ما هذا؟ لماذا لا ترسم الخطوط؟ حتى الدم يعصي الأوامر.
الشاب الثائر (ينهض، يصرخ):
الشاب الثائر (يصرخ): لأن الأرض مشبعة بالدم… والسماء لا تسمح لمزيد من الخرائط… هذه الأرض حية… وكل دم قديم أو جديد يرفض أن يصبح مجرد أرقام.
الأم (ترفع يديها إلى السماء):
السماء تبكي أخيرًا… هل تبكي لأجلنا أم علينا؟ لا أدري… لكن دموعها أكثر صدقًا من دموعكم.
الراوي (صوت جهوري): ها هي التماسيح تحلق… لم تعد تكتفي بالماء، صارت تسبح في الهواء، تبكي وهي تسقط القنابل… كل دمعة كذب تُسقط على الأرض، لكنها لا تقتل الحقيقة، ولا تصمت الأرض.
(الإضاءة تتحول إلى أبيض خافت، الأم تحتضن قطعة القماش، الشاب واقف بجانبها، الراوي في منتصف المسرح، الجميع ساكن كتماثيل من الطين. صوت الطفل يتردد من بعيد)
صوت الطفل: هل سيأتي الغد يا أمي؟
الأم (تبكي بصمت، تعانق قطعة القماش): سيأتي… لكنه لا يعرف الطريق بعد… علينا أن نرسمه بأنفسنا.
الراوي (خاتمة شعرية، صوته يختلط بصوت المطر والأنين):
أيها البشر… لا تنتظروا من التماسيح أن تتوب… ولا من القتلة أن يعيدوا ما سرق من الحلم… الأرض وإن بكت، دموعها ليست تماسيح… بل نداء صامت لأبنائها كي لا يموتوا وهم يبتسمون لقاتلهم.
(الموسيقى ترتفع، مزيج أصوات المطر والأنين، الضوء يخفت تدريجيًا حتى العتمة الكاملة، يبقى أثر الخريطة على الجدار يذوب خطوطه في الماء)
اللوحــة الخامسـة:
(الخشبة مظلمة جزئيًا، أصوات الريح والمطر تتصاعد ببطء، صوت انفجارات خافتة يتخللها دوي صفارات بعيدة. الخريطة على الجدار ممزقة، خطوطها الحمراء تغوص في الأرض كأنها دماء. الأم جالسة تحتضن قطعة القماش، الشاب الثائر واقف إلى جانبها، الوزير الأمريكي يجلس على الطاولة محاطًا بالشاشات، الإعلامي يحاول تصوير المشهد، والسياسي العربي يترنح بين الخشبة)
الراوي (صوت عميق، كأنه يخرج من باطن الأرض):
الآن، في هذا المشهد الأخير قبل النهاية، تبدأ الحقيقة بالظهور ببطء… كل شيء ينهار أمام أعينكم… الخرائط تتشقق، الدموع تتراكم، والصمت يصبح لغة الأجيال.
الشاب الثائر (يصرخ نحو الوزير الأمريكي، يلوح بالراية الممزقة):
لقد سئمنا من الخرائط التي تصنعونها… من الحدود التي تحددونها… نحن أرواح، نحن دماء، نحن تاريخ لم تكتبوه بعد.
الأم (تجلس على الأرض، تتحدث بصوت مبحوح):
لقد فقدنا كل شيء… أبناؤنا، بيوتنا، ضحكاتنا… حتى الأمل صار غريبًا بيننا… لكن قلبك يا ولدي، لا يزال ينبض… لا يزال يصر على المقاومة.
السياسي العربي (ينهض بصعوبة، صوته هادئ لكنه مرتعش):
لقد جربت كل شيء… التفاوض، التنازلات، التحالفات… كل شيء انتهى إلى الصفر… نحن مجرد رموز على لوحة أكبر… لوحة الدماء والخراب.
الوزير الأمريكي (ينظر إلى الخريطة الممزقة، يبتسم ابتسامة باردة):
كل شيء يسير كما خططنا… الخرائط قد تتشقق، والدماء قد تسيل، لكن النظام العالمي يظل… نحن نحافظ على العالم… بطريقة ما…
الشاب الثائر (بغضب): النظام؟ أنتم تقتلونه فينا كل يوم… تزرعون الخوف، وتستعبدون القلوب… لكننا لن نسكت بعد اليوم،
الإعلامي (يحاول التدخل، صوته متقطع): كل شيء يسجل، كل شيء يبث… العالم يشاهد، والدموع تباع… لكن… ربما… الحقيقة بدأت تنفلت…
الأم (تصرخ نحو الجميع، الدموع تغطي وجهها):
دموعنا ليست للبيع دموعنا ليست أرقامًا في تقرير! دموعنا صرخة… صرخة أجيال… صرخة الأرض نفسها،
الراوي (يقترب من مقدمة المسرح، صوته يعلو كعاصفة):
الآن فقط تدرك الشخصيات أن الخداع لا يمكن أن يستمر… أن الخرائط ليست وحدها من تحدد المصير… الإنسان، حتى وهو محطم، يظل قوة لا يستهان بها… حتى دمعة واحدة حقيقية، قادرة على قلب الموازين.
(المطر يزداد قوة، الضوء يصبح أحمر متقطعًا، الأصوات تتداخل: انفجارات، صراخ، بكاء. الوزير الأمريكي يحاول الإمساك بالقلم الأحمر ليكمل رسم الحدود، لكنه يفشل. السياسي العربي ينحني إلى الأرض، الشاب الثائر يرفع الراية، الأم تحمل قطعة القماش كرمز للحياة والمقاومة)
الوزير الأمريكي (مرتبك يحدق في الخريطة):
لماذا… لا يستطيع القلم أن يرسم؟ حتى الدم يعصي… حتى الخرائط… لقد فقدت السيطرة.
الشاب الثائر (يصرخ، صوته مليء بالقوة):
لأن الأرض مشبعة بالدم… لأنها تعرف… تعرف أن لا أحد له الحق في رسم مستقبلنا… نحن من نصنع التاريخ، لا الخرائط.
الأم (تفتح يديها نحو المطر):
السماء تبكي… أخيرًا… دموعها صادقة، لا كدموعكم المزيفة… لن نرضى بديكتاتور الخرائط بعد اليوم…
الراوي (يعلو صوته): ها هي التماسيح تسقط أقنعتها… ها هو الخداع ينهار… الأرض تبكي، السماء تبكي، والإنسان… أخيرًا… يرفع صوته.
الإعلامي (يسقط الكاميرا على الأرض): لقد انتهت اللعبة… لم أعد قادرًا على تسجيل الأكاذيب… لم يعد للبث أي معنى… الحقيقة هنا، حية، صامدة، لا تقتل.
السياسي العربي (يخفض رأسه): لقد رأيت… لقد فهمت… أننا كنا جزءًا من لوحة الدم… لكن ربما يمكننا أن نبدأ من جديد… حتى لو كان البدء صغيرًا… خطوة واحدة…
الراوي (نبرة شعرية قوية):
الأرض تتنفس، السماء تراقب، والإنسان يرفض أن يكون رقمًا على خريطة… دمعة واحدة، صرخة واحدة، كافية لتغيير كل شيء…
(الضوء يتحول إلى أبيض نقي، الأم والشاب واقفان معًا، يحملان قطعة القماش والراية، الخريطة على الجدار تتحلل تدريجيًا، خطوطها تذوب في الضوء. المطر يستمر، صوت الطفل يتردد من بعيد)
صوت الطفل: هل سنحيا غدًا؟
الأم (تبتسم، دموعها تلمع): سنحيا… لأننا رفضنا أن نموت بلا صوت، بلا أمل… لأننا الآن نرسم المستقبل بأيدينا.
الراوي (كخاتمة شعرية): أيها البشر… لا تنتظروا من القتلة أن يعيدوا الحلم… ولا من التماسيح أن تندم… الأرض وإن بكت، دموعها ليست تماسيح… بل نداء صامت لأبنائها… كي يعيشوا، كي يبتسموا، كي يقاوموا، كي يصنعوا الحرية…
(الموسيقى ترتفع، مزيج المطر والأنين، الضوء يخفت تدريجيًا حتى العتمة الكاملة، يبقى أثر الخريطة على الجدار يتلاشى في الضوء. الستار يسدل ببطء)
اللوحـة السادسـة:
(الخشبة مظلمة جزئيًا، صوت المطر يتساقط، أصوات الريح تتخللها صرخات بعيدة. الضوء الأبيض النقي يتسلل من أعلى المسرح، يسلط على الأم والشاب الثائر واقفين معًا، يحملان قطعة القماش والراية. الخريطة على الجدار تتلاشى تدريجيًا، خطوطها الحمراء تتدفق في الضوء كدماء تتطاير وتختفي. الوزير الأمريكي يجلس في الظل، الإعلامي متوقف، السياسي العربي واقفًا متأملًا)
الراوي (صوت كالموسيقى، شاعرية، من عمق الضمير الإنساني):
ها نحن نصل إلى اللحظة الأخيرة… حيث تختفي الأقنعة، وتنقشع الظلال، ويظهر الإنسان… كما هو… ضعيفًا… قويًا… محطمًا… صامدًا…
الأم (تنظر إلى الشاب، صوتها يرتجف بالدموع): لقد بكى العالم بما فيه الكفاية… لكن دموعنا، دموع القلب، ستظل تنبت الأمل… ستظل تنبت الأجيال…
الشاب الثائر (يرفع الراية عالية، صوته مليء بالعزم): لن نترك الخرائط تحدد حياتنا بعد اليوم… لن نسمح للدموع المزيفة أن تحل مكان دموعنا الحقيقية… لن نموت صامتين بعد الآن.
السياسي العربي (يخفض رأسه، ثم يرفع عينيه ببطء):
ربما فاتنا الكثير… ربما شاركنا في لعبة لم نفهم قواعدها… لكن ما زال بوسعنا أن نعيد كتابة التاريخ… حتى بخطوة واحدة، حتى بكلمة واحدة، حتى بدمعة صادقة…
الوزير الأمريكي (ينظر حوله، صوته منخفض، كما لو اكتشف شيئًا جديدًا): كل شيء… كل شيء ينهار أمام الإرادة الحقيقية… حتى الخرائط، حتى السيطرة، حتى الأكاذيب…
الإعلامي (يسقط الميكروفون): لقد تعبت الكاميرات… لقد انهارت الصورة… الحقيقة بدأت تتسرب…
الراوي(يقترب من مقدمة المسرح، صوته عميق، كأن الأرض نفسها تتحدث):
الآن… لا مزيد من التمثيل… لا مزيد من الدموع المباعة… الأرض ترفع صوتها… السماء تستمع… والإنسان… أخيرًا… يعرف قيمته…
(المطر يشتد، الضوء يصبح أزرق متدرج، الشاب الثائر والأم يجلسان وسط المسرح، يحملان الراية وقطعة القماش. أصوات انفجارات بعيدة تهدأ تدريجيًا، ليحل صوت الريح والمطر. صوت الطفل يردد السؤال مرة أخرى من بعيد.)
صوت الطفل: هل سنحيا غدًا يا أمي؟
الأم(تبتسم، دموعها تتلألأ): نعم… سنحيا… لأننا رفضنا أن نكون أرقامًا على الخرائط، لأننا رفعنا صرخة الحرية، لأننا نعلم الآن أن الحياة تبدأ من المقاومة…
الشاب الثائر (يضع يده على كتف الأم، صوته حاد وواضح):
الحياة تبدأ حين ندرك أن الأرض ليست ملكًا لأحد، وأن السماء ليست لأقوى الجيوش… نحن من نكتبها، نحن من نحلم بها، نحن من نزرعها بالدموع الحقيقية…
الراوي (نبرة شعرية):
أيها البشر… لا تنتظروا من القتلة أن يعيدوا الحلم… ولا من التماسيح أن تندم… الأرض، وإن بكت، فهي دموع حقيقية… نداء صامت لأبنائها… كي يعيشوا… كي يبتسموا… كي يقاوموا… كي يصنعوا الحرية…
(المطر يخف تدريجيًا، الضوء يتحول إلى شعاع أبيض خافت على الأم والشاب، الخريطة على الجدار تتلاشى تمامًا، يبقى أثر الراية وقطعة القماش كرمز للأمل والصمود. أصوات الريح تتلاشى، ويحل الصمت العميق. الستار يسدل ببطء، بينما الموسيقى ترتفع تدريجيًا لتختتم المسرحية بإيقاع شعري مؤثر)